‏إظهار الرسائل ذات التسميات شخصيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شخصيات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 16 سبتمبر 2018

رشيد طه.. أراد كل شئ فأصبح كل شئ

يحفظ أشعارا قديمة، يتحدث في السيرة النبوية، صوفي، أفريقي، عربي، عربيد.. يصف المغني الراحل رشيد طه نفسه بأمور عدة في أقل من 10 دقائق، كما بدا في دردشة إذاعية قصيرة. وهكذا اختار مشواره الغنائي متنوعا ومركبا من مكونات عديدة.

في البدء كان الاختيار واضحا، لن يتقوقع داخل موسيقى عالم المهاجرين العرب في فرنسا، ولن يتبنى السائد حوله من موسيقى عصرية يخفي بها هويته، لكنه اختار مزيجا غير مألوف من موسيقى الروك والموسيقى الجزائرية (الراي، الشعبي). فالطفل الذي ولد عام 1958 بمدينة سيق غرب الجزائر ثم انتقل في سن العاشرة إلى الإلزاس بفرنسا عاش مكافحا، ولم ينس من هم على هذه الشاكلة أو كما قال في الدردشة السابقة "أحب الماضي.. وأحب الحاضر".
في الفترة الأولى من حياته الغنائية، شارك في تأسيس فرقة carte de séjour أو (بطاقة إقامة) عام 1980، مع مجموعة من الشباب المغاربي يغنون الروك على النمط الأمريكي والبريطاني، لكنهم في الوقت ذاته يقدمون ألحانا جزائرية يغلفونها بأنغام عصرية، وهنا ينجح رشيد طه في إتاحة مجال حركة واسع لنفسه في عالم الغناء.
أغنيتان من عام واحد تكشفان كيف سار الأمر مع المغني الشاب آنذاك، وهما نموذجان لرافدين لن يتخلا عنهما رشيد طه، موسيقى الروك والموسيقى الجزائرية. في الأغنية الأولى zamana من العام 1984 يقدم رشيد طه المغني بفرقة كارت دي سيجور، لحنا وكلمات مغاربية تقليدية، ومع انطلاق اللحن، يضاف إليه إيقاع الروك مع الجيتار الصاخب، أما في الأغنية الأخرى يقدم أغنية "حبيبي" بكلمات عربية عن معاناة شاب في ظروف الغربة والفقر، أما اللحن فلا يبرز فيه الملمح العربي سوى في وجود خجول للطبلة (الدربكة).

لم يكن رشيد طه في تلك المرحلة يشدو دون وعي بأنه يعبر عن فئات واسعة تشبه ويشبهونه، في تلك الفترة التي بدأت فيها فرقة "كارت دي سيجور" مشوارها، برزت مطالبات من ذوي الأصول المغاربية بوضع حد للعنصرية في فرنسا، ولم يكن رشيد وزملائه بعيدين عن المسيرة الشهيرة التي طالبت بالعدالة ورفض العنصرية عام 1983، واستجاب لها الرئيس الفرنسي ميتران آنذاك، لذا كانت كلمات رشيد طه مبكرا للتعبير عن هذا الجانب من شخصيته. ومنذ البداية حتى وفاته ظل يجاهر بانتقاد العنصرية داخل فرنسا، بل فتح النار على الإعلام الفرنسي متهما إياه بتجاهل ألبومه zoom في العام 2013، مشيرا إلى ما يجده من ود في الخارج حين يتعاملون معه كفنان عالمي وليس كعربي، مثلما يحدث في فرنسا.
مع بداية عقد التسعينات يبدأ رشيد طه مشواره منفردا وليس كمغن في فريق غنائي، وإلى جانب مواصلة المزج بين القوالب الغنائية المتعددة، يعرض قالبا موسيقيا خالصا، كما فعل في أغنية يارايح التي أكسبته مزيدا من الشهرة في العالم العربي، وهي لمطرب أقدم هو دحمان الحراشي، التي قدمها رشيد بإيقاع عربي خالص، كأغنية ملائمة لما يعتنقه من أفكار عن الهجرة والحنين، ولعل تجربته مع الشاب خالد والشاب فاضل في ألبوم 1,2,3 Soleils كانت الأكثر ثراء في تقديم أغان جزائرية خالصة، مثل "عبدالقادر" و"المنفي".
يتلاعب رشيد بما لديه من موروث، ففي الثمانينات يصنع مع فريقه السابق أغنية باسم الشيخة ريميتي الجزائرية بعنوان Remitti، وبعدها بأكثر من 20 سنة تظهر أم كلثوم في أغنية ZOOM SUR OUM. فإلى جانب تقديم القوالب الغنائية الخالصة، يقدم أعمالا يشير فيها إلى جذوره بشكل غير مباشر وبشكل مغاير.

على مدار أكثر من 35 سنة قضاها في مجال الغناء، لم تتغير قناعاته أو تتبدل في انكسارات حادة، فرشيد طه في 2018 امتداد حقيقي لما أنجزه منذ الثمانينات، لم يكن ذلك فقرا غنائيا بقدر ما كان ذكاء حين قرر مبكرا فتح كل الأبواب كي يتيح لنفسه مجال حركة واسع في الغناء.
هذا المسار الذي اختاره منذ البداية، لم يصنع تشتيتا أو ضبابية، فقد كانت الأولوية واضحة أمامه مثلما أكد في مقابلة إذاعية أخرى تحدث فيها بوضوح عن أنه أقرب إلى الروك من الراي، وفي هذا التصريح يبدو متصالحا مع مشواره الذي حاول فيه صنع "الروك العربي"، الأمر الذي دفع مجلة رولنج ستون تضع عنوانا بعد رحيله ينعي نجم "الراي والروك" المثير للمتاعب.

توغله في موسيقى الروك دفعه أيضا إلى إحياء أعمال سابقة مثل أغنية "روك القصبة" لفريق clash الإنجليزي، وإعادة غناء Now Or Never لملك الروك أند رول ألفيس بريسلي. فرشيد لا يتخلى عن عالم الروك، كما لم يتخلى عن الموسيقى الجزائرية.
الشاب الذي بدأ حياته عاملا في مصنع يغمره المهاجرون، وينخرط ليلا في لعب الأغاني DJ بالملاهي الليلية، انفتح على أنواع مختلفة من الموسيقى، وكلما مر الوقت ازداد نضجا وقوة في إيصال رسائله، "ما ننساش العبودية.. والعنصرية" هكذا يغني في العام 2013 الذي اشتكى فيه من تجاهل الإعلام، ويقول في حوار صحفي إن "الحكومات الفرنسية المتعاقبة لم تقم بشيء ولم تحسن من وضع المهاجرين وأبنائهم، ما أدى إلى ظهور نوع من العنف والتطرف في الأحياء الشعبية".
هذا الموقف الدفاعي ضد العنصرية والتغول اليميني الفرنسي، لم يمنعه من انتقاد ما يراه من سلبيات في الجانب العربي، ففي عام 1997 يغني أغنية بعنوان زبيدة تناقش ما تتعرض له الفتاة العربية من انتهاك لحقوقها، ويكرر الأمر ذاته في العام 2013 مع أغنية بعنوان جميلة، عن فتاة تم إجبارها على الزواج دون أخذ رأيها، وانتهت قصتها بالانتحار.

في الألبوم الأخير zoom تطورت التجارب التي مر بها رشيد طه إلى مجموعة من الأسئلة، في أغنية "وإيش نعمل؟". تبدو الأسئلة بسيطة وساذجة "هل أنا عربي؟ هل أنا أوروبي؟ هل أنا هندي؟ هل أنا أسود؟ وإيش نعمل؟ .. قلبي دايما صافي". رحل رشيد طه، بعد أن أراد أن يكون كل شيء، نجم روك، مغني عربي، صوفي، عربيد.. يتساءل كيف يرونه؟ عربي.. أوروبي؟ أم ماذا؟ قلبه الذي تحمل مشوارا صاخبا، توقف عن العمل في ليل الثلاثاء 12 سبتمبر 2018 قبل أيام من بلوغه الستين، بعد أن نجح في خوض تجارب متنوعة وعبَّر عما بداخله دون خوف.

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

محمود الحسيني.. اللعب مع السيس

قبل عرض الفيلم المزعوم، تذاع مشاهد إعلانية من أفلام الموسم القادم تحت عنوان : قريييبا. كان ضمن هذا القريبا تريلر فيلم محترم إلا ربع، تتحمس السينما حين تذاع أغنية : أنا شارب تلاتة ستيلا، بعدها.. أفاجأ بأن الرقابة قد اعترضت على الأغنية وتم تغيير كلمات الأغنية ذائعة الصيت كي تتواءم مع الحس الرقابي المحافظ، وظهرت تصريحات للسيد محمد رجب يدافع فيها عن مشاهد أخرى من فيلمه الجديد
**
داخل مقهى في إحدى المدن المصرية الباسلة، كنت أستمع إلى نفس الأغنية من موبايل أحدهم، وفي المهرجان أجدها عنوانا كبيرة لفقرة موسيقية صاخبة، في التوكتوك، في المحلات، في الانترنت، في كل مكان يعلن محمود الحسيني موقفه واضحا وصريحا
ماذا فعل الحسيني؟
بدأ القصة بموال من مقام النهاوند قائلا

أنا شوفت واحد مهيس متيس مافيش رجا منه
دماغة بايظة ومراتة فايزة طالبة الطلاق منه
أصحابة صايعة وفلوسة ضايعة على المزاج والكيف
وعشان دايما مكيف بيمشى في الشتا مصيف وبيلبس تقيل في الصيف

هكذا أوضح الحسيني موضوعه، لكن الرقابة احتجت تحديدا على دعاويه المبتذلة في قوله :
أنا شارب تلاتة ستيلا ويجى 8 كمان أي دى
أنا راجل أوى مش قلة ولا يهمنى من دا ولا دى
**
يلعب المؤلف على وتر التهكم على أداء الشباب السيس في فخرهم واعتزازهم بأعمالهم البطولية المجيدة في شرب الستيلا والحشيش،
بعدها ينطلق الحسيني في الحديث بلسان السيس حين يشكون غدر الزمان وقلة مصادر الفخر، واضطرارهم إلى عمل دماغ قراقيش عشان مابقاش فيه حشيش، ثم يعود إلى الحديث بلسانه هو قائلا
خلاص ما بقاش فى بنى ورجع الأخضر وملا السوق
ودماغى ما بقتش تاكلنى ومش تعبان وأنا عايز أفوق
ما بقتش برص حجارة
ما بلفش أى سجارة
والوقت اللي أنا ضيعتة فى عمرى بقول عليه يا خسارة
**
لا يكتفي بهذا القدر بل يبدأ في توجيه نصائح أخلاقية واضحة:
ياللى أنت يوماتى دماغك لازم تظبطها بحجرين
ما تظبطها بكيلو كفتة وقرنين فلفل وخيارتين
اضربلك شوب لمون بلا برشام بلا أفيون
اضربلك شوب لمون بلا برشام بلا أفيون
أحسن بعدين هنقابلك ماشى فى الشارع مجنون
ثم
يا حشيش عملولك شفرة وكلة خلاص بقى فى التوهان
اه ياعينى على ورق البفرة وعلى الهواية وعلى السلوفان
ورجعنا نشيل الفلة .. وندور على الكرتلة
وياريت نفوق ونبطل خالص ونعيش من غير علة
أنا عامل دماغ كتاكيت وبخبط في العفريت
**
الذكاء الذي لعب به الحسيني في أغنيته أنه ربح صوت السيس والحشاشين وأصدقاء الستيلا، وفي نفس الوقت وضع نفسه في موقف المربي الفاضل، هذه اللعبة لم تقبلها الرقابة لإحساسها بأنه يتلاعب بها أيضا، فهذا الموقف المربك لا يجعلك تفهم هل هو ضد أم مع؟ من وجهة نظر الرقابة هو مع، لأنه لم يقل صراحة هبطل السجائر وأكون انسان جديد، بل رقص على السلم ليكسب الجميع.. عدا الرقابة
الأغنية في محتواها تهكم على أداء المدعين حين يستخدمون عبارات من نوعية: انا الزمان هدني، والمزاج بيذل صاحبه.. الحسيني يقول للمتكلفين، انتو هتعيشوا، طب انا هعلم عليكوا وفي نفس الوقت هتغنوا الأغنية. سأستهزأ بمن يظن نفسه: راجل قوي مش قلة، وأجعله يحسب أني أغني له حين أقول : أنا عامل دماغ قراقيش، عشان مابقاش فيه حشيش
**
اعترضت الرقابة من قبل على أغنية العبد والشيطان، حتى قيل أنها تتهكم على المعتقدات الدينية، وخرجت تأويلات رائـ(ـد/عـ)ـة ووجهت أسئلة صحافية إلى محمود الحسيني إن كان قد قرأ فاوست التي ترتبط بتيمة العبد والشيطان أم لا. للأسف قرأت هذا العنوان في إحدى الصحف ولا توجد مصادر للتوثيق على الانترنت، هكذا يحاول الحسيني إثارة الجدل بالتلاعب بالمستمع، أنت تظن أنه فاسد يغني للسكارى، لكنه ينصحك
**
جربت في يوم من الأيام أن أقف على مسرح أحد المغنين الشعبيين، احساس ممتع ومقلق، انت تعلم أن الناس لن يقفوا في صفك، حتى ان رقصوا على أنغامك، علاقة غريبة، أعيشها في حياة مختلفة.. لكل إنسان مسرحه الخاص
من يعلو المسرح يعلم أيضا جيدا أنه من الغباء أن ينتظر وفاء من تحت المسرح، قد يخسر بسبب غلاء سعره أو خفوت الأضواء من حوله، أظن أن النصر الحقيقي لمن فوق المسرح يتجلى في المذهب الحسيني حين يتلاعب بالجميع، يتهكم على عاداتهم في التحشيش وشرب الستيلا، ويظل محتفظا بادعاءاته كمربي فاضل ينصح السيس بأن يكفوا عن أدائهم المبتذل

الاثنين، 29 مارس 2010

عصافير سكرانة

يستحق وديع الصافي أن يكتب عنه أفضل من الجلوس السريع امام الشاشة للتعليق على أحد موالاته، فهناك الكثير للتحدث عنه. علاقته بمحمد عبدالوهاب، وزياراته إلى مصر، وجنسياته المتعددة، وعمره المديد الذي حوله اليوم إلى أشهر المعمرين في الفن العربي
**
موال مشي معي، أبهرني حين استمعت إليه في المرة الأولى، المفاجأة كانت في الدقيقة 1:33 من هذا الكليب الذي أعددته قبل أكثر من عام، أما المفاجأة الثانية فكانت في الدقيقة 2:. اليوم صباحا لفت نظري تعليق عن أن هذه الحركات البهلوانية التي مارسها وديع الصافي وأبهرتني استغرقت منه ستة عشرة ثانية كاملة
**
إن أكملت حديثي هنا فمن المؤكد أنني سأظلم السيد وديع الصافي، لذا لنتحدث عن ما لفت نظري بعيدا عن الامكانات الصوتية الواضحة . كلمات الموال رائعة.. دفعتني في أحد التعليقات إلى اتهام مؤلفها بأنه... حشاش
مش معي وصلنا على التلة
الكون كله نغمره بطله
ومين بيقول السما بعيدة
بمد إيدي بطالها بإيدي
ولو كان بدي علجبل علي
طلي معي شوفي دني جديدة
عصافير سكرانة
وزايغة عالنور
وهيصات وغناني
مع دخنة التنور
ونايات ولهانة
صحيت مع الرعيان
متحسبة صوت الصدى الهربان
وديان عم تركض ورا وديان
الله يديمك أرز يا لبنان

**
لم أجد في الكلمات سوى صورة سكران يرافق محبوبته.. أو ربما يظن أنها معه، يخاطبها واصفا لها الطبيعة اللبنانية من حوله، لكنه في الواقع يعلن على تلك الطبيعة علاقته بمحبوبته
يعرض كل شيء ببساطة، بإمكانه أن يوصل يده إلى السماء، وأن يفاخر الجبال طولا، كسر كل وصايا لقمان لولده.. حتى العصافير تحولت إلى ندماء يشاركونه السكر والضلال عن الطريق، يستعير صورة التنور ودخانه الشهير أثناء الطهي بدلا من أن يأتي بدخان سجائر أو حشيش، يصر على الاستمرار في ابداع الخيالات والضلالات حتى يقول : وديان عم تركض ورا وديان.. الله يديمك أرز يا لبنان
**
بين المستهزيء والمؤتلف مع ما حوله كان هذا الموال السعيد
من مقام البياتي

السبت، 17 أكتوبر 2009

صلاح الشرنوبي .. ع البال

من الشخصيات التي سقطت في الطريق ولم يهتم أحد بمعرفة مصيرها، الملحن صلاح الشرنوبي، مهندس الميكانيكا الذي اختار التلحين.. مما لا شك فيه ـ تعبير قاطع ـ أن أول انطباع قد يتولد لديك عند متابعة الشرنوبي وهو يتحدث في شاشة التلفزيون انه سكران، أو صاحب كيف.. ليس هذا هو سبب اختفاؤه، ففي الوقت الذي أعلن فيه أخاه فاروق الشرنوبي أنه معترض على ما يحدث في الساحة الغنائية، و أنه ـ فاروق ـ شبه معتزل، كان صلاح أكثر مرونة ومتواجدا في السوق بقوة، لكن في زمن عمرو مصطفى الذي ورث شيئا من اسلوب الشرنوبي ـ عدا استخدام المقامات الشرقية الأصيلة ـ كان على الأخير أن ينسحب
**
في السنوات الأخيرة أصبح أكثر التصاقا بالمغنين العرب، ولا مانع من أن تراه ضمن لجنة تحكيم في برنامج مسابقات، كانت بداية مشواره منذ سنوات طويلة لكن نقطة الانطلاق حسب ما قالت السيدة وردة الجزائرية كانت بعد تعامله معها، وحمل هو هذا الجميل وأنتج مسلسلها لعبة الأيام وظهر فيه في لقطات قصيرة
**
تعامله مع وردة أبرز ميلا إلى استخدام المقامات الموسيقية غير المألوفة، حيث قدم دون خشية مقامات مثل النكريز والحجاز كار، ولم يكن ينافسه في هذا إلا الراحل رياض الهمشري، وكلاهما كان ينهل من مدرسة محمد الموجي الذي كان على نفس هذا الخط
جاء تعامل الشرنوبي مع وردة في زمن انتشار الراي في الوطن العربي، وهو ما استفز لديه النزعة المغاربية التي جعلته مقربا من التونسية ذكري ووردة الجزائرية وسميرة سعيد مغربية الأصل.. وغيرهن
**
الأخ الأكبر فاروق الشرنوبي كان طموحه واضحا، خاصة في الفترة الأخيرة التي ركز فيها على المسرح الحكومي وبعض التواجد المتواضع في المسلسلات، بدأ فاروق وكأنه يعد نفسه بألحان (ملائمة)ـ كي ينضم إلى قافلة الشيوخ إمام وسيد درويش وغيرهم، وكانت إرهاصات ذلك حين بدأ مسيرته مع مطربي الثمانينات أمثال علي الحجار وإيمان البحر وغيرهم
أما صلاح الشرنوبي فكان أكثر عملية، لكنه ظل تسعينيا.. ضمن مجموعة تضم رياض الهمشري وحسن دنيا وحسن ابو السعود من الذين أرسوا القواعد التي بنى عليها ملحنون اليوم أعمالهم، لكن الجيل الجديد أصبح أكثر عددا وحضورا، ومع ذلك فيمكن أن تراه حاضرا حتى آخر لحظة مع ميادة الحناوي العائدة في بداية هذا العام، أو خالد سليم وبعض المطربين العرب، لكنه لم يعد الأول على الساحة
مشكلة الشرنوبي أن ما كان جديدا في التسعينات، لم يعد كذلك الآن، وأن مزاجه الرائق لم يعد مطلوبا سوى من باب التنويع.. لعله أدرك ذلك فاقتحم مجال الانتاج كي يظل متواجدا.. ساعد كثيرين مثل فضل شاكر، لكنه ظل متواريا
**
كانت قمة نضج صلاح الشرنوبي في الفترة التي عاد فيها جورج وسوف مع أغنية كلام الناس عام 94، وآخر نقاط ازدهاره في رأيي في أوبريت الحلم العربي الذي شارك في تلحينه مع حلمي بكر
**
أغنية عالبال التي لحنها صلاح الشرنوبي لسميرة سعيد في العام 98 من مقام النهاوند هي إحدى أروع الأغاني التي غنتها سميرة سعيد
لم تجذبني في التوزيع الأصلي، لكني فتنت بها مؤخرا بعد إعادة توزيعها في برنامج تاراتاتا مع المغنية الشابة جنات، وأرى أن جنات كانت أروع من سميرة سعيد، بعد مشاهدة الكليب أصبحت من محبي جنات التي لم تصل بعد لقدرة سميرة في اختيار ألحانها
لاحظ في الدقيقة 6:50 كيف تنقل عازف الناي بين العرُب دون أن يشعر به أحد


فيما يبدو أن العام 2009 لم يكن عاما سعيدا على الشرنوبي .. فقد تصاعدت حدة قضايا الشيكات التي كان عليه سدادها، ولم يتقدم إلى انتخابات جمعية المؤلفين والملحنين، وكانت الخاتمة أن صدر ضده قرارا بالحبس مدة عامين، وأصبح هذا هو آخر أهم الأخبار التي تناولتها الصحف عن الملحن الموهوب، أعترف أنني أردت قبل كتابة هذا البوست أن أتصل بمنزله لمجرد إلقاء التحية من معجب مجهول.. مجرد فضول، ربما لأني لم أكن أعرف إن كان فعلا في السجن أم انتهت مشكلته أم ...ماذا
الآن بعد كتابة هذا البوست استمع إلى أغنية على البال مرة أخرى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عائلة الشرنوبي في حاجة إلى مزيد من الكتابة، خاصة بعدما فوجئت بهذا الموقع العجيب

الخميس، 10 سبتمبر 2009

بالأفراح.. السلطنة صناعة وطنية ثقيلة



هذه التدوينة اهداء من حسين الحاج " السهروردى " لمزيكا وبس






كتبت من وحي ألبوم "بالأفراح" تدوينة قديمة، كتبتها وقت أن اكتشفته وسمعته لأول مرة، الآن، أكتب لكم عنه بعدما سمعته مئات من المرات.

زياد الرحباني قدم لنا في عام 1977 ألبوم موسيقي خالص من الغناء، عشر توزيعات لمقطوعات موسيقية وأغاني معروفة، بعضها من ألحانه والبعض الثاني من ألحان آخرين.

يفتتح الألبوم بلحن أغنية "قصقص ورق" من ألحان الرحابنة من مسرحية "ناس من ورق"، لكن اللحن على أية حال هنا يكتسب طبيعة أبطء في الإيقاع وأروق في المزاج عن الأغنية الأصلية. يتبعها مباشرةً "رقصة تحيات" وهي من ألحان زياد نفسه وقد سبق تقديمها في مسرحية "نزل السرور" سنة 1974، نلحظ فيهما التركيز على سولوهات الكَمَان، تليهما أغنية لفيروز اسمها "عتّم يا ليل" وهي أغنية من كلمات وألحان الأخوين ولكن زياد أعاد توزيعها شرقياً.

والمفاجأة !!، نكتشف أن زياد يحبّ فايزة أحمد، والتي للأسف أكرهها، من خلال تقديمه لواحدة من أغانيها "آخد حبيبي يانا يامّه"، ثم يعود زياد لأعماله ب"مقدمة سهريّة" وهي موسيقى المقدمة الثانية لمسرحيته الغنائية "سهريّة في قهوة نخلة التنين"، ثم يقدم لنا فيروز "يا حمام يا مروّح" و"سألوني الناس"، الأولى من ألحان حليم الرومي وأعاد زياد توزيعها الموسيقي، والثانية هي أولى أغانيه لوالدته من مسرحية "المحطة" التي قدمت في قصر البيكاديللي عام 1973، وكان لحنّ "سألوني الناس" وهو عمره سبعة عشر سنة أثناء مرض والده عاصي الرحباني في المستشفى !!

ويختتم الألبوم بموسيقى أغنية "زوروني كل سنة مرة" في توديع جميل، أجمل توديع للمستمعين.

ألاحظ اعتماد زياد توصيل إحساس التسجيل الحي للحفلات في الأعمال –على الرغم من أن الألبوم مسجل تسجيل استديو- من خلال ما قد يُسْمع من أصوات الصادرة من الكورس أو أحد أعضاء الفرقة مثل "الله – يا ليل - يا عين - يا روح - آه .. إلخ" والتي قد تبدو ارتجالية تماماً، وهي حقيقةً ( في معظمها ) مقصودة، فحتى هذه التدخلات مدروسة، هكذا لا يترك الرحباني شيئا للعبث. دمج وربط المقطوعات ببعضهم بوصلات قصيرة على آلالات القانون والناي يحقق لنا أعلى درجة من الانسجام والتطريب، علاوة على ذلك اختار زياد مجموعة قليلة من العازفين لكنهم حققوا اشباع موسيقي في ساعة واحدة لا تزيد !

سمعت آراء أصدقائي "المتغرّبين" يتكلمون عن موسيقى الجاز في أغاني زياد، وعن أن الشرقي في ألحانه لا يضاهي بأيةِ حال ميوله القوية للموسيقى الغربية، زياد الرحباني يعلن انحيازه للتخت الشرقي في "بالأفراح"، لكن على طريقته الخاصة، الطريقة الرحبانية، إلى درجة أن غلاف الألبوم، مصوّر فيه مجموعة من العازفين يرتدون بدل رسمية وطرابيش بالأبيض والأسود في صورة جماعية. فهل هذا يكفي لهم دليل على أصالة وتجذر زياد في الموسيقى الشرقية ؟

للتحميل اضغط هنا


الخميس، 23 يوليو 2009

سمير الاسكندراني.. عباءة الغورية والبدلة الإيطالية

مغنى بدرجة عميل
 --
 بدون سبب، بدأت في إعادة اكتشاف مغن غامض اسمه سمير الاسكندراني، الجميع يعرفه بصورة أو بأخرى، لكن بعد أن سمعت أهم أغانيه التي قدمها في السبعينات والثمانينات وقعت في أسر شخصيته قبل أغانيه، قد يكون سبب هذا هو انحيازي إلى صف من ولدوا في رحاب القاهرة الفاطمية، فوجودك بين أسوار القاهرة القديمة وبقايا أثار الماضي يجعلك تدرك مبكرا معنى أن تكون قاهريا، حولك المهاجرون والوافدون والباحثون عن الرزق من المحافظات الأخرى في المواسم والموالد، لكنك بنبرة متباهية.. تقول أنا ابن البلد، ولا تقبل من الآخرين إلا أن يكونوا مثلك ابن البلد سمير الاسكندراني المولود في حي الغورية، وقع في معضلات مبكرة شكلت حياته، فهو بطل درامي نموذجي، ابن بلد شعبي، والده تاجر موبيليا يستضيف ليالي السمر والأنس فوق سطح منزلهم، أما هو فيتعلم ويدخل كلية الفنون الجميلة، وقبلها بقليل يقابل معضلة أخرى بعد انتقاله إلى شارع عبدالعزيز حيث الأجانب والخواجات، فيصدم حضاريا ويقع في اسر هوى جارته الايطالية المراهقة يولاندا

بإمكاننا الآن أن نكمل قصة سمير الاسكندراني على أنه بطل تراجيدي، لكن... هذا السعيد الهانئ لا يستحق منا ذلك، على أي حال تكونت دراما القصة في فترة المراهقة

، فالعشق الايطالي دفعه إلى الرحيل إلى ايطاليا لدراسة الفن، وروح ابن البلد جعلته يتصرف بذكاء مع الموساد حين أرادوا تجنيد شباب مصري في أوروبا، وتخابث على عملاء الموساد حتى اطمأنوا، وما أن عاد إلى مصر، حتى سقط أمام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر يشكو إليه ويطلب المساعدة، وبدأت لعبة جديدة مع الموساد أسقطت شبكة من جواسيسهم في مصر **

ما هو مصير عميل مخابرات سابق تم الكشف عن شخصيته في الصحافة المصرية منذ ستينات القرن الماضي؟ هل يستمر في العمل كأكاديمي في كلية الفنون الجميلة؟ هل يرحل خارج مصر؟ النهاية التقليدية لهذا النموذج من العملاء هو أن يستقر في "بزنس" خاص.. شركة سياحية، توكيل تجاري.. لكن في هذا الزمان البعيد كانت البلاد ما زالت مغلقة.. لم تنفتح، كما أنه لم يكن "ضابط" مخابرات، بل كان مجرد شاب دفعه الحظ وظروفه الدرامية ـ الغورية الايطالية ـ إلى هذا الطريق.. عمل الاسكندراني مبكرا في القسم الايطالي بالإذاعة، وبدأ في التعبير عن نفسه عبر الغناء، وتعرف على محمد عبدالوهاب واقترب أكثر من مجال الموسيقى، لكن كأي بطل درامي، لا بد من أن يظل أسير مجموعة من المؤثرات.. ومثلما كان الطموح الغربي والروح المصرية هي السبب في انزلاقه إلى العمل المخابراتي.. كانت نفس تلك الملامح هي المسيطرة على الموسيقى التي أراد تقديمها ** إلى جانب تقديمه الأغاني الأجنبية بصوته قدم أيضا موشحات قديمة وطقاطيق وأغاني تراثية وفلكلورية في قالب جديد متأثرا بروح الديسكو التي راجت في السبعينات، حتى أن مقدمة أغنيته زمان زمان تشبه إلى حد كبير مقدمة أغنية كوبا كابانا التي اشتهرت في نهاية السبعينات، واستدعي كثير من أغاني الروقان، أه يا جميل يا مسليني، وقمر له ليالي.. ولم يخجل من تقديم بعضها في مقامات شرقية مثل البياتي، وان كانت الأغاني التي قدمها من مقامات النهاوند والكورد هي الأكثر قربا من روح الديسكو العالمية آنذاك.. و لم يعجز أمام أغاني مثل قدك المياس التي قدمها في مقام الحجاز بحس عالمي رغم تطفل النغمات الشرقية على الأغنية، بل وفي أغنية مين اللي قال قدم أغنية من مقام الصبا وهو متمسك بإيقاع ونحاسيات الديسكو والبوب، وكذلك فعل في يا ناس أنا دوبت في حبه لسيد درويش من مقام الحجاز كار ولأنه جرب الغناء بالانجليزية والايطالية، فاتجه إلى الفرانكو أرب، و استعار أغنية Take me back to Cairo من الأرشيفات ودمجها في أغنية فلكلورية هي يا نخلتين في العلالي ** إن الصورة التي قدمها مؤخرا عزب شو عن سمير الاسكندراني وكأنه سلطان يعيش في أحد بيوت الغورية القديمة هي أقرب الصور التي ارتبطت في ذهننا عن هذا الفنان، هو سلطان من زمن أولاد البلد يعيش في حلة إيطالية أنيقة. ويمكننا أن نقول بضمير مرتاح أن محمود عزب يدين بشهرته إلى سمير الاسكندراني بعد أن بدأ في تقليده منذ منتصف التسعينات متهكما على أدائه، مستغلا مظهره غير المألوف لمغني ذو عباءة عربية برفقة فرقة حديثة ** ولأن الاسكندراني كان وما زال أسير ماضيه "الوطني" فأصبح هناك مغزى لمواعيد ظهوره في الإعلام وأماكن تواجده، كأن يكون ضيفا على موائد الوحدة الوطنية أو على الشاشة يتحدث في مناسبة وطنية عن المخابرات وتجربته معها، وكأنه رجل علاقات عامة. ولعله أدرك في الماضي أنه لن يكون مطربا تقليديا، لذا اختار موسيقى فلكلورية مطعمة بروح عصرية، وكأنه صاحب رسالة وطنية، لعل غيره قد يغنيها، أو أن يفعل مثلما فعل في أغنية يا صلاة الزين التي عدل كلماتها لتصبح أغنية وطنية، وكذلك حين اختار كلمات من نوعية "يا رب بلدي وحبايبي". في حالة قريبة من محمد نوح مغنى الوطنية وتحفيز الهمم، الذي كان يؤدي في فترة سابقة دورا منافسا لأغاني الشيخ إمام وفؤاد نجم "الهدامة" حسب منطق الحكومة آنذاك ** سمير الاسكندراني الذي اعترف في أحد البرامج بأنه يقضى أغلب وقته حاليا بعيدا عن الأسرة.. لا أستطيع أن أصفه بالبطل التراجيدي الذي وقع في أسر الطموح الإيطالي والانتماء القاهري الغوري، بل أحسبه سعيدا بما هو عليه الآن، خاصة وان مصر لا تنسى رجالها