الاثنين، 28 سبتمبر، 2009

ثلاثة أسئلة وإجابة واحدة عن أمّ كلثوم

لماذا لم تغنِّ أمّ كلثوم لحناً واحداً للشيخ سيد درويش؟

تحكي المفارقة أن أمّ كلثوم وصلت من قريتها طماي الزهايرة لتستقر نهائياً في القاهرة، في نفس العام الذي توفّي فيه الشيخ سيد درويش البحر.

عادةً، يحب الراصدون والمؤرخون المفارقات، يفرحون بها أو يلجئون إلى خلقها إذا لم تكن موجودة. وإذ كانت السنة التي استقرت فيها أمّ كلثوم في المحروسة موثّقة، فإن ثمة مفارقة ليس بالضرورة أن تكون حقيقةً، وهي أن أمّ كلثوم غنّت للمرة الأولى على مسرحٍ في القاهرة في ذات اليوم الذي ارتفع فيه الشيخ سيد إلى السماء.

يمكننا أن نفهم ولع هؤلاء الراصدين بهذه المفارقة، التي لا دليل على أنها حقيقة كما لا دليل على أنها محض خيال، إذا وضعناها في سياق ولعهم بأمّ كلثوم، ومحاولة إلصاق سيرة الشيخ سيد، كيفما اتّفق، بسيرتها هي، فإذ أنّ الظروف لم تُتِح لهما أن يلتقيا، فلتتحوّل القصّة إذن إلى تلك المفارقة، شخص يسلّم الراية لآخر، وهكذا، يجدون المبرر، وهو المولعون بأمّ كلثوم، لوضعها في منزلةٍ واحدةٍ مع الشيخ سيد.

ذُكِر أيضاً أن أمّ كلثوم كانت دائماً ما تردد حكاية هذه المفارقة، كما أنّها وردت في المسلسل الذي تناول حياتها. كما يُذكَر أيضاً على لسانها، أنها كانت تعتبر الشيخ سيد أهم ملحني مصر إطلاقاً، وأنها كانت تتمنى أن تلتقي به وهي في القاهرة، وأن يلحّن لها. هذا، ما يُذكر على لسان من لُقِّبت بـ"كوكبِ الشّرق".. "سيّدة الغِناءِ العَربيّ".

في الفترة التي تمتد من ثلاثينيات القرن الماضي، حتّى يومنا هذا، غنّي كثيرٌ من المطربين ألحان الشيخ سيّد درويش، زكريا أحمد (الكوكايين وغيرها)، محمد عبد الوهاب (الشيطان وغيرها)، كارم محمود (ياللي قوامك يعجبني وغيرها)، سيد مكاوي (والله تستاهل يا قلبي)، وغيرهم كثيرين، بل وحتّى خارج مصر، غنّت له السيدة فيروز، وغنّى له صباح فخري وسعاد محمد، وأشهر منشدو الموشحات والقدود الحلبية مثل صبري مدلل. كلّ من عُرف عنه ولعه بالسّيّد درويش البحر غنّى له، وحدها أمّ كلثوم عُرف عنها هذا الولع، دون أن تترجمه ولو بأغنية واحدة، ولم يطرح أحدٌ هذا السؤال، لماذا؟

لماذا تخلّت أمّ كلثوم عن ألحان القصبجي الرشيقة المميزة لصالح ألحان السنباطي التي تمجّد صوتها ليس أكثر؟

كان القصبجي ملحناً فذّاً، بارعاً في استحضار الجُملِ الموسيقيّة، تقترب جملته من التمام، تستطيع أنّ تميّز أنه القصبجي من جُملته، صاحِبُ بصمة دون أن يكون مكرّراً. تشتم رائحة القصبجي في "قلبي دليلي" و"ما دام تحبّ بتنكر ليه" و"إمتى حتعرف إمتى" و"يا صباح الخير ياللي معانا" و"رقّ الحبيب"، هو المجدد الأول في الموسيقى العربية، باعتبار أن السّيّد درويش هو المؤسس وزكريا أحمد هو امتداد التراث، فماذا حَدَث للقصبجي؟

معروفٌ أن قصب كان غارقاً حتّى أذنيه في غرامِ أمّ كلثوم، ومعروفٌ أيضاً أن أمّ كلثوم كانت تعرف أن قصب غارقٌ حتّى أذنيه في حبّها ولكن هي لم تكن تحبّه.

بدأت علاقة القصبجي مع أمّ كلثوم منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدما ابنة المنصورة أرض المحروسة، غنّت من ألحانه قبل أن تتعرف عليه، وكان لقاؤه أمَلاً لها باعتباره من الملحنين الذين حققوا شهرة لا بأس بها في مصر، بينما مازالت هي مطربة جديدة تطمح إلى النجاح. بعد أن تعرّفت ابنة المنصورة على القصبجي وبدأ التعاون بينهما اشتهرت هي بألحانه هو، وبدأ تهافت الملحنين على التعامل معها، فهي أولاً صوتٌ قويٌّ مغرٍ لأيّ ملحنٍ، وثانياً هي وجهٌ جديدٌ في مرحلة تحوّلٍ موسيقي فيه ثورةٌ على الأنماط الموسيقيّة القديمة، ثورة وجوهها شبابٌ كمحمد عبد الوهاب، سحبوا معهم الجيل الأقدم كزكريا أحمد والقصبجي، في الوقت الذي كانت رموز النمط الأقدم، كمنيرة المهدية وفتحية أحمد وبديعة مصابني تتكسّر وتنهار.

وهكذا يمكننا بضميرٍ مرتاح ودونما أن نكون بعيدين عن "العدل"، اعتبار أن القصبجي هو من صنع من أمّ كلثوم مطربة، بدأ معها رحلتها من الصفر ومنحها ألحاناً بيّنت قدرات صوتها اللا تقليدية وكان سبب انتشارها في عالِم الغِناء.

كان لحن "رقّ الحبيب" علامة فارقة، فهو من ناحية نقلة في أداءات القصبجي كملحّن، لم يعتد على تلحين الأغنيات الطويلة، ومن ناحيةٍ أخرى نقلة في أغنيات أمّ كلثوم، إذ حقق اللحن شهرة ونجاحاً لم يحققه لحن من الألحان السابقة التي تغنّت بها، ومن ناحية ثالثة، كان هذا هو آخر تعاونٍ بين القصبجي الملحن وأمّ كلثوم، فبعده، رفضت ابنة طماي الزهايرة غناء أي لحنٍ جديد للقصبجي إلى توفي عام 1966.

المولعون بأمّ كلثوم، يؤكدون أن القصبجي أفلس بعد تقديم هذا اللحن، وأن أمّ كلثوم بعبقريتها وحنكتها اكتشفت ذلك، فامتنعت عن قبول أيّ لحنٍ آخر من قصب. ولكن ليس من دليل مفهوم منطقي مُرتبطٌ بالموسيقى، أو بدراسة شخصية القصبجي ونفسيته، يؤكدّ هذا الزعم، ولذلك، فهو زعمٌ لا يعوّلُ عليه.

في فيلم دنانير عام 1940، رفضت أمّ كلثوم التعاون مع ملحنٍ شابٍ لعلّها لم تكن تتذكّر اسمه، ولأن أغنية لحّنها هذا الملحّن كانت ضروريّة في سياق الفيلم، فقد سجّلها هذا الملحّن بصوته. ولكن بعد عرض الفيلم، واستمتاع ثومة بأغنية "على بلد المحبوب ودّيني"، وافقت على تسجيلها، وطلبت ترتيب لقاءٍ بالملحّن الشاب رياض السنباطي.

كان هذا قبل أن يلحّن القصبجي رقّ الحبيب بثلاثة أعوام، بعد أن التحق السنباطي، الملحّن المجهول، بأمّ كلثوم، بثلاثة أعوام، تخلّت "سيدة الغناء العربي" عن ملحّنها الأول، ليتحوّل إلى عوّادٍ في فرقتها الموسيقيّة، لصالِح ملحّنٍ شابٍ مستعدٌّ تماماً أن يرضخ لشروط "كوكب الشرق" في موسيقاه مقابل أن يلحّن لها، فرسمَت هي ملامح جملة السنباطي الموسيقية التي تمجّد صوتَ مَن يغنّي دون أن تعلق جملة موسيقيّة بذاكرتك لِما فيها من جَمال. ولأنّ الأصوات الأخرى ليست كصوتِ أمّ كلثوم، لم ينجح للسنباطي أي لحنٍ مع مطربٍ أو مطربةٍ عدا أمّ كلثوم.

واستسلم قصب تماماً لما تفعله به أمّ كلثوم بسبب ولعه بها، يكفيه أن يبقى بجوارها ولو كعوّادٍ في فرقتها الموسيقيّة، على أمل أن يأتي يوم ما، تطلب منه "السِّت" لحناً، لكّن هذا اليوم لم يأتِ أبداً. ولكنّ السؤال حول موقف أمّ كلثوم من قصب مازال إلى الآن بلا إجابة، لماذا؟


ماذا لم تتعاون أمّ كلثوم مع عبد الوهاب إلا بأمرٍ رئاسي؟ ولماذا كانت مرتعبةً من المقدّمة الموسيقية لـ"إنتَّ عُمري"؟

في أواسط ثلاثينيات القرن الماضي، حاول طلعت باشا حرب، صاحب استوديو مصر، إنتاج فيلم يقوم ببطولته محمد عبد الوهاب وأمّ كلثوم، ولكنّه فشِل.

تمنّى الجمهور المصري بشغفٍ لا مثيل له أغنية تؤدّيها له أمّ كلثوم يلحّنها عبد الوهاب، كان يعرف أن عبد الوهاب، بموهبته وثقله الموسيقي، قادرٌ على استكشاف مناطق أخرى في صوت ثومة، وكان يعرف أيضاً أن عبد الوهاب الموسيقي المولع بالمزج بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغريبة، سيشكّل نقلة في ما تقدّمه أمّ كلثوم من ألحانٍ. كان الجمهور المصري يجري وراء متعة يفتقدها دون أن يعرف لماذا.

كانت لعبة القط والفأر ملمحٌ مهمٌّ في العلاقة بين ثومة وعبد الوهاب. كلٌّ مِنهما يتفوق على كلِّ من عداه في عالم الموسيقى، إلى أن تصل المنافسة إلى القمّتين فيشفل أيٌّ مِنهما في حسمِها لِصالحه، فيما يتعلّق بالأجور، وفيما يتعلّق بالمناصب، وفيما يتعلّق بالجماهيريّة.

امتدّ التعثّر في جمع القمّتين بعد محاولة طلعت حرب الفاشلة في منتصف الثلاثينات نحو ثلاثين عاماً، عبّر خلالهما جمال عبد الناصر، الذي كان أحد المولعين بأمّ كلثوم وبعبد الوهاب، أكثر مِن مرّة، عن رغبته في أن يستمتع بأغنية يلحّنها ملحّنه المفضّل لِمطربته المفضّلة دون جدوى. يطلب منه مرّة ومنها مرّة ومنهما سويّاً مرّة، إلى أن يحتدّ عليهما ذات يومٍ في أحد احتفالاتِ عيد الثورة بجامعة القاهرة، ليبدو الطلب في هيئةِ أمرٍ رئاسي، فيرضخ الطرفان أخيراً، وتبدأ رحلة التعاون في "أنتَّ عُمري".

حتّى الآن، يمكننا أن نضع عزوف أمّ كلثوم على التعاون مع عبد الوهاب في سياق لعبة القطّ والفأر المذكورة آنفاً، إلا أن التفاصيل اللاحقة والخلافات التي نشبت فيما يخص الأغنية، تفتح أعيننا على سؤالٍ آخر.

في المرّة الأولى التي استمعت فيها أمّ كلثوم للمقدّمة الموسيقية التي وضعها عبد الوهاب للأغنية كادت أن ترفضها، فهي مقدّمة موسيقية مميّزة تلفت الانتباه بحدّ ذاتها، يستعرض فيها عبد الوهاب إمكانياته كملحّن، وليست المقدّمة فقط، فحتّى لحن الأغنية، متنوعٌ وراقص، له معنى في حدِّ ذاته لو عُزِفَ منفرداً دون غنائها.

كانت حجّة أمّ كلثوم على المقدّمة استخدام آلة الجيتار، تلك الآلة الغربية التي لم تستخدمها مطلقاً في أيٍّ من أغنياتها، كانت تقول إنّها خائفةً مِن ردِّ فعل الجمهور على تلك الخطوة الجريئة، كانت تقول إن جمهورها لم يعتد عليها تغنّي بعد مقدّمة موسيقية تتنوع بين الكونترباص والجيتار والقانون.

ولكن، هل كانت أمّ كلثوم غبيّة؟ كلا!

لأنّ أمّ كلثوم لم تكن غبيّة، فإنّها كانت تعرف جيداً أن جمهورها سيحبّ هذه المقدّمة، فهي، أي المقدّمة، مُلفته وجيدة من الناحية الموسيقيّة، وهو، أي جمهورها، لن يرفض تعاونها الأوّل مع عبد الوهاب، خاصّة وأنّه مُلفتٌ وجيّد.

لأنّ أمّ كلثوم لم تكن غبيّة، فإنّها كانت تعرف أيضاً، خلال ثلاثين عاماً، أنّ أيّ تعاون بينها وبين عبد الوهاب سيؤدّي إلى أن تؤدّي أغنية لحنها لافتٌ وجيّد، يختلف عن ما يقدّمه لها السنباطي وغيره.

ولأنّنا لسنا أغبياء، فيحقّ لنا أن نربط بين تخوّف أمّ كلثوم من اللحن الذي كانت تعرف تماماً أنّه جيّد وأن جمهورها سيحبّه، وبين عزوفها عن التعاون مع عبد الوهاب طوال ثلاثين عاماً.

لمّ تغنِّ أمّ كلثوم سيّد درويش رغم أنّها كانت مولعةً به، ولَم تقبل أمّ كلثوم مزيداً من ألحان القصبجي رغم أنّ ألحانه كان لها بصمةً مميزةً في أغانيها، ولَم تتعاون مع عبد الوهاب إلا بعد أمرٍ رئاسيٍ وحاولت مسح بَصمَته الموسيقيّة عن الأغنية.

فهل كانت أمّ كلثوم تحب أن تلفت الموسيقى المميزة اهتمام جمهورها؟

----------------------------------------------------------------------------------------------

الصورة الاولى : صورة نادرة للشيخ سيد درويش اهداء شريك المدونة حسين الحاج

الصورة الثانية : لقطة تجمع بين القصبجى وام كلثوم

الصورة الثالثة : جانب من بروفات انت عمرى تجمع بين عبد الوهاب وام كلثوم - الصورة من منتدى سماعى للطرب العربى الاصيل

السبت، 19 سبتمبر، 2009

الجسر

(- درست الموسيقى الغربية.. فلماذا جاء تحولك للشرقية؟

- كان سؤال البحث عن الذات ملحاً لسنوات طوال، حتى جاءت الانتفاضة الأولى فتنبهت للإجابة عن سؤال أين أنا من حركة شعبي و شعرت بالحاجة للمشاركة في التعبير عنه فكانت مرحلة التحول.)*

....

أين يبدأ الحديث عن الموسيقى؟، وأين ينتهى سحرها ؟

كتبت سلفاً عن "الأفراح" الرحبانيّة، وكما ألهمتني تلك الأفراح، أوحى "بريدج خالد جبران" إليّ بياسين، ولا زالت هناك أشياء لم تكتب بعد من وحيه، أو كما يقال "يا مّا في جراب يا حاوي"

كذلك يخرج جبران لنا من جراب موسيقانا الشرقية ألحان مختارة بمزاج أصيل، مستعيداً تلك الألحان في عمله الثالث الجديد "بريدج"، مطوراً بقوة تجربته الأولى في "أم الخلخال" بمصاحبة (فرقة الموسيقى الشرقية)، يأتي اختلاف التجربة شكلاً في الحضور البارز القوي للآله البزق الشاميّة التي شارفت على الإنقراض من كثرة النسيان والإهمال والتهميش، وتواجد آلالات أخرى تراثيّة نادرة كمثل الربابة والأكورديون والكولة المصريين، ويغامر جبران موضوعاً بإعادة توزيعه الجلّية للمقطوعات المختارة مبدلاً ومغيّراً في روحها الأصلية بمتعة الفنان الحقيقي.

ينبهنا جبران إلى أول المقطوعات من الرنّة الأولى المميزة للآله البزق قبل أن تعزف للشيخ سيد درويش "شد الحزام" عزفاً حاداً دقيقاً، متكرراً في حلقة واحدة متوازية بين آلالاتي البزق والكولة، تؤكد سميتريتها من الشعور بحرفيّته العالية المتميزة في عزفها، التي سرعان ما تشعرك بنزع جبران لروحها الحماسية الأصلية منها تجعلها جافة شديدة الجفاف، فهل من سرّ وراء هذا ؟

وما السر وراء "أم الخلخال" ؟، تلك المقطوعة العراقية للعظيم الراحل "منير بشير" التي شغلت بال جبران كثيراً، فكان عنوان عمل فرقته الأول باسمها حيث قدمها لأول مرة، ثم أعاد توزيعها مرة أخرى في "بريدج"، فإذا سمعنا النسخة الأصلية لمنير بشير، أحسسنا البهجة الشجيّة التي يشيعها رنين الجلاجل والصاجات في خلفية المقطوعة، نسمعها كصدى بعيد يمر في المساحات الفارغة من صوت العود، كأنها قادمة من زمن قديم بعيد، لكن عندما أعاد جبران توزيعها في المرة الأولى، خفض إيقاعها، حتى رنينها، قصره على رنّة المثلث والرق، فصارت أكثر حزناً كأنها تنعي لنا رحيل منير بشير مرة أخرى، ثم يعيد توزيعها للمرة الثانية، حيث يفرد مساحة طاغية لآلاتي الناي والكولة والربابة الحزينات، تسمعها بوضوح في نهاية المقطوعة، جاعلاً منها عويلاً صارخاً بالبكاء، لا ينعي لنا منير بشير فحسب، بل ينعي لنا منير بشير والعراق والشرق كله.

سنتذكر أفراح زياد الرحباني بسماع "يا مرسال المراسيل" لفليمون وهبي، فجبران يقوم على ما قام عليه زياد وإن اختلفت الأذواق شكلاً وموضوعاً. يقدم جبران التراث بكل أشكاله، فلكلورياً في "يا ميت مسا"، والتراث المسجل في "سماعي شدّ عربان" للفنان التركي المجدد جميل بك الطنبوري، والسماعي هنا شكل كلاسيكي من أشكال موسيقانا العربية، كما يقدم "لا عيوني غريبة" لوديع الصافي، التي يهديها خالد جبران إلى روح عازف البزق اللبناني مطر محمد، و"واه حبيبي"، ترنيمة من ترانيم الجمعة العظيمة، نعرفها خاصة بصوت فيروز، وهي في الأصل لحن من الموسيقى الكلاسيكية الغربية للموسيقار جيوفاني بيرغوليزي.

يقول علاء حليحل "فالاستماع إلى "مرسال المراسيل" أو "لا عيوني غريبة" في هذا الألبوم لا يعادل الاستماع إليها مُغنّاة من فيروز والصافي؛ فجُبران يُخرج هذين اللحنين من رتابة ما قد أسمّيه "الحبّ العاديّ" للألحان وللأغاني المألوفة والمُحبَّبة، نسمعها في البيت أو في السيارة أو أثناء حفلة عرس، ويأخذهما إلى منطقة "الحبّ الكشّاف"، إغفروا لي فلسفتي المصطلحيّة، أي ذاك الحبّ الكامن فيكَ (عن معرفة سابقة) إلا أنه يكشف وينكشف من جديد، وهو بهذا يُنسيك "الحبّ العادي" الأول."

يعبر بنا جبران جسور عدة، لا جسراً واحداً، بين مصر والشام والعراق وتركيا، إلى حسّ جديد بموسيقانا الشرقية.

....

(هل موسيقانا الشرقية تطريبيةٌ بحكم تعريفها؟، هل قدرها محتوم فعلاً بالتعبير عن "منتهى الفرح" أو "غاية الحزن" فقط؟، وما هما سوى: "طرفين نقيضين من الوجدان يتحدان فتغدو الحالة طرباً"!، ماذا عن باقي الحالات النفسية والشعورية التي تُشكل جل كيانك النفسي اليومي وهي خارج خانة التطريب أو الوله والبكاء؟، ماذا عن الخوف؟، الحسد؟، ماذا عن الأمل, القلق، الملل, الجشع، الإحباط؟، والشجن؟، وماذا عن نشوة الانتصار المؤقت عند اجتيازك الحاجز العسكري المجاور بسلام ؟

ماذا عن العقيدة الإلهية إذ تتهاوى في أعماقك خزياً يوم يقوم "سيد العالم الأبيض" مدافعاً عن "صليبه المقدس" بصلبك واخوتك ولغة أمك على صفيح أكواخ مخيم جنين أو البصرة؟، ماذا تكتب أيها الموسيقي حينها وماذا تعزف؟، أموشحات أندلسية حالمة أم سماعيات تركية مُرَفهّة؟، وهل تتناغم إيقاعاتها الرصينة مع رشاقة وقع الصواريخ على ليل بيت جالا؟)*

الخميس، 10 سبتمبر، 2009

بالأفراح.. السلطنة صناعة وطنية ثقيلة



هذه التدوينة اهداء من حسين الحاج " السهروردى " لمزيكا وبس






كتبت من وحي ألبوم "بالأفراح" تدوينة قديمة، كتبتها وقت أن اكتشفته وسمعته لأول مرة، الآن، أكتب لكم عنه بعدما سمعته مئات من المرات.

زياد الرحباني قدم لنا في عام 1977 ألبوم موسيقي خالص من الغناء، عشر توزيعات لمقطوعات موسيقية وأغاني معروفة، بعضها من ألحانه والبعض الثاني من ألحان آخرين.

يفتتح الألبوم بلحن أغنية "قصقص ورق" من ألحان الرحابنة من مسرحية "ناس من ورق"، لكن اللحن على أية حال هنا يكتسب طبيعة أبطء في الإيقاع وأروق في المزاج عن الأغنية الأصلية. يتبعها مباشرةً "رقصة تحيات" وهي من ألحان زياد نفسه وقد سبق تقديمها في مسرحية "نزل السرور" سنة 1974، نلحظ فيهما التركيز على سولوهات الكَمَان، تليهما أغنية لفيروز اسمها "عتّم يا ليل" وهي أغنية من كلمات وألحان الأخوين ولكن زياد أعاد توزيعها شرقياً.

والمفاجأة !!، نكتشف أن زياد يحبّ فايزة أحمد، والتي للأسف أكرهها، من خلال تقديمه لواحدة من أغانيها "آخد حبيبي يانا يامّه"، ثم يعود زياد لأعماله ب"مقدمة سهريّة" وهي موسيقى المقدمة الثانية لمسرحيته الغنائية "سهريّة في قهوة نخلة التنين"، ثم يقدم لنا فيروز "يا حمام يا مروّح" و"سألوني الناس"، الأولى من ألحان حليم الرومي وأعاد زياد توزيعها الموسيقي، والثانية هي أولى أغانيه لوالدته من مسرحية "المحطة" التي قدمت في قصر البيكاديللي عام 1973، وكان لحنّ "سألوني الناس" وهو عمره سبعة عشر سنة أثناء مرض والده عاصي الرحباني في المستشفى !!

ويختتم الألبوم بموسيقى أغنية "زوروني كل سنة مرة" في توديع جميل، أجمل توديع للمستمعين.

ألاحظ اعتماد زياد توصيل إحساس التسجيل الحي للحفلات في الأعمال –على الرغم من أن الألبوم مسجل تسجيل استديو- من خلال ما قد يُسْمع من أصوات الصادرة من الكورس أو أحد أعضاء الفرقة مثل "الله – يا ليل - يا عين - يا روح - آه .. إلخ" والتي قد تبدو ارتجالية تماماً، وهي حقيقةً ( في معظمها ) مقصودة، فحتى هذه التدخلات مدروسة، هكذا لا يترك الرحباني شيئا للعبث. دمج وربط المقطوعات ببعضهم بوصلات قصيرة على آلالات القانون والناي يحقق لنا أعلى درجة من الانسجام والتطريب، علاوة على ذلك اختار زياد مجموعة قليلة من العازفين لكنهم حققوا اشباع موسيقي في ساعة واحدة لا تزيد !

سمعت آراء أصدقائي "المتغرّبين" يتكلمون عن موسيقى الجاز في أغاني زياد، وعن أن الشرقي في ألحانه لا يضاهي بأيةِ حال ميوله القوية للموسيقى الغربية، زياد الرحباني يعلن انحيازه للتخت الشرقي في "بالأفراح"، لكن على طريقته الخاصة، الطريقة الرحبانية، إلى درجة أن غلاف الألبوم، مصوّر فيه مجموعة من العازفين يرتدون بدل رسمية وطرابيش بالأبيض والأسود في صورة جماعية. فهل هذا يكفي لهم دليل على أصالة وتجذر زياد في الموسيقى الشرقية ؟

للتحميل اضغط هنا


الأربعاء، 9 سبتمبر، 2009

فبمن يـلوذ و يستجيـر المجرمُ

من امتع الأشياء أن تتابع ما يكتبه البعض عن نجومهم من كتابات تسعى إلى تحسين صورتهم وتجميل ماضيهم.. مؤخرا كان مايكل جاكسون احد هؤلاء الذين تم تجميل صورتهم بعد إشاعة خبر موته على الاسلام، إلا أن الصدفة ألقت أمامي بِأشعار منسوبة إلى أبي نواس الذي عرف بشاعر الخمر.. كانت المرة الأولى التي أقرأها
يا رب إن عظمـت ذنوبي كـثرةً - فلقـد علمتُ بأن عـفوك أعظمُ

إن كان لا يرجـوك الا محسن - فبمن يـلوذ و يستجيـر المجرمُ

أدعـوك رب كما أمرتَ تـضرعـاً - فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ

مالي إلـيـك وسـيـلـةٌ إلا الرجــا - وجميل عفوك ثم إني مسلمُ

قيل أن هذه الأبيات قالها الشاعر الراحل قبل وفاته، وبعد توبته.. والأكثر من هذا أن رواية أخرى ذكرت ـ على سبيل التجميل ـ أن أصحاب أبو نواس رأوه في المنام مستبشرا ويردد عليهم هذه الأبيات، ربما تكون إحدى القصص القديمة التي ما زالت تتردد حتى عصر مايكل جاكسون.. لكن بعيدا عن مدى صدق أبو نواس في توبته أو حقيقة ذلك.. فالحقيقة أن الأبيات مكتوبة بطريقة جذابة ومخلصة
**
سمعت هذه الأبيات من ثلاث مدارس مختلفة
الأولى من المنشد الراحل النقشبندي من مقام النهاوند

أما الثانية من المطرب العراقي الراحل ناظم الغزالي الذي كان دؤوبا على ترديد أبيات التراث العربي

أما الثالثة من القاريء الكويتي مشاري راشد العفاسي من مقام الكورد، شعرت في وقت من الأوقات أنها من ألحان تامر حسني :)