الخميس، 26 نوفمبر، 2009

فوك إلنّا خلّ



تراث الكلمة يحمل ألفٍ من الابتساماتِ ومثلها من الدمعاتِ، لا يدري حاملها كيف بدأت ومن ابتدعها، وظلّت تحمل حلماً فوق حلم، وتفسيراً داخل تفسير سنةً بعد سنةً وعاماً بعد عام
ربما شهد قائلها معاناةً أو سعادة فجّرتها، وأدرك حقيقتها لحظة ابتداعها، وربما كانت مصنوعة بمزاج شيطان الخيال، ضربه بها في لحظة رائقة. وصادف حظها أن ترثها الأرض ومن عليها، تُسمع/ تقرأ/ تكتب حتى يومنا هذا.. ويصيبها من التحريف والإضافة والحذف والتبديل، لكن روحها لا تتبدل أبداً.

فوك النخل/ فوق النخل:
قيل أن الأصل هو "فوك إلنّا خلّ فوك"، أي أن لنا خليل يسكن الأعالي، ثم أدرجت على لسان العامة بـ"فوك النخل فوك" لسهولة النطق واقتراب الصورة، لكن المعنى نفسه يظل باقياً، أليس النخل عالياً ؟
..في كلا الحالتين،"مدري لامع خدك يابا مدري لامع فوك"، لا يدري إن كانت وجنة الخليل هي التي لمعت أم وجنة قمر العُلى؟، ثم ينتهي أنه لا يريد أن يدري أو لا يريد خليله نفسه، فهو يجلب له البلاء.. "والله ما ريده باليني بلوه"

التجسيلات بروايات مختلفة:
ناظم الغزالي – تسجيل التلفزيون الكويتي في ستينيات القرن الماضي
ناظم الغزالي – تسجيل حفلة بالكويت
فرقة التراث الحلبية
صباح فخري

الأربعاء، 28 أكتوبر، 2009

سمارة اللون .. جماله عسل


على الدرجة الاولى من السلمتين الواصلتين بين المستوى الاول والمستوى الثانى للصالة الواسعة لشقتنا القديمة

واللتان اضطر والدى لتسويتهما لاصرارى على الاصطدام بهما وتهشيم رأسى على احداهما بينما اجرى او اركب دراجتى الصغيرة داخل المنزل

اجلس

وابكى وانا اكرر همسى المسموع

تعالى يا توت

تعالى يا توت

معلنة ضجرى من الجلوس وحدى ورغبتى فى ان يأتى التوت ليأخذنى الى حيث مقر عمل جدى حيث لا القى بالا لانشغال والدتى عنى فى شئون المنزل تاركة اياى لتنتهى من اعداد طعامى او طعامها وابى او غسل ملابسى التى تقول انها كانت لا تتسخ تقريبا ورغم ذلك كانت تغسل اطنان منها يوميا تاركة اياى فريسة للضجرلا فائدة من مناداة التوت فهو لم يأت الى عندما ناديته ربما لانه من الصعب ان يخرج التوت عن شريطه على بعد شارعين من المنزل كى يأتى الى خصيصا ليقلنى الى رمسيس

لا فائدة من مناداة هذا النذل اذن

لارفع صوتى قليلا واكرر المطالبة التالية فى مظاهرتى الفردية
انا انا عايزة عُكَرْ
انا انا عايزة عُكَر


تأتى امى من المطبخ على صوتى العالى لتنبئنى انه من الصعب ان تاتى بعكر او تذهب بى اليه الان فعكر فى المدرسة

ولو تركها واتى ليلعب معى فلسوف تضربه المس ضربا مبرحا

كم كنت اكره تلك المس

ولما كنت طفلة هادئة فى الغالب الا ان الخلاص من زنى مستحيلا

فكان على امى ان تخترع شيئا ما للتخفيف من ضجرى عسى ان تتمكن من اسكاتى

ولما كنت طفلة متعبة كذلك فقد ادركت امى مبكرا اننى لن تنطلى على الخدعة التى تلجأ لها اغلب الامهات بوضع اطفالهن امام الصور المتحركة الملونة على شاشة التلفزيون

فحسب والدتى لم تستطع تلك الصور ان تلفت انتباهى على الاطلاق بعدما تخطيت الشهر السادس من عامى الثانى فى هذه الدنيا

الا ان الاصوات – كما لاحظت امى التى لم ارث لماحيتها للاسف– كانت هى الجديرة بلفت انتباهى

لهذا ولانها لا تضمن ان تجد اصواتا تلفت انتباهى فى التلفزيون على الدوام

جاء الكاسيت اختراعا سحريا

ما ان تبدأ نداءاتى للتوت ومطالباتى بالالتحاق بعكر

حتى تقترب امى من الكاسيت

تنتقى شريطا

وتلقمه للفم المفتوح وتضغط زر التشغيل لتضمن سكوتى وانقطاع بكائى خاصة وانه يبدو ان حملها فى شقيقى الأول " مولودها الثانى" كان يجعلها اقل احتمالا لكل هذا الزن

وعندما تسمع صوتا ما وانت على مشارف الثالثة من العمر

فمن الطبيعى ان يلتصق بذاكرتك ويستدعيه وعيك كلما حانت المناسبة

لهذا فمازال صوتى ميادة الحناوى وحسين بشير يمثلان لى حالة خاصة جدا

دعنا لا نتحدث عن ميادة الحناوى

فانت تعرف عنها اكثر مما اعرف

ولكن لنتكلم قليلا عن حسين بشير

امهلنى ثانيتين اقذف فيهما بحلقة من حلوى النعناع الى فمى

باك

ان كنت تبحث عن السلطنة فلا تستمع الى حسين بشير

ان كنت تبحث عن الشجن والرومانسية التى تعزيك فى حبيب مفقود او تسهل عليك اجترار اساك فلا تستمع الى حسين بشير

ان كنت تبحث عن ايقاع روش وعصرى ذو شعاراتية مرحة تؤهلك لان تكون من مثقفى وسط البلد ومرتادى البورصة فلا تستمع لحسين بشير

اما ان كنت باحثا عن التناقض حيث الصوت محدود القدرات العامر بالحزن المتزاوج مع الموسيقى العامرة بالبهجة فتعال معى اعرفك بحسين بشير

بينا ياللا بينا .. نسبق الدنيا نرفع الزينة

ليس حسين بشير بالمطرب المفضل لدى نوبة مصر فرغم كونه ابن "ابهور" النوبية اختار حسين بشير ان تختلط ايقاعاته النوبية مع اغانى الكف التى يحبها البشارية والعبابدة وابناء اخوالهم من الجعافرة والتى يهيئ لمن يستمع اليها للمرة الاولى انها ايقاعات خليجية ، ورغم خطأ التصور الا ان الاصول البدوية المغربية والنشاة الصحراوية للبشارية وابناء عمومتهم من العبابدة تعزز هذا التصور بشدة.

هذه الميول لموسيقى غير نقية العرق تماما جعلت حسين بشير يتراجع فى قائمة المفضلات لدى البيوت النوبية خاصة وانه من ذلك الجيل من المطربين النوبيين الذين هجروا اللغة "التى يغضب بعض الباحثين ويسموها بالرطانة "النوبية وفضلوا الغناء بالعربية السلسة المفهومة سعيا لكسب جمهور جديد من شباب النوبة والمصاروة الذين لا يفهمون هذه اللغة مما جعله منبوذا ويعد اقتناء شرائطه " البوماته" عارا فى اى بيت نوبى ، اما فى بيت اسوانى عربى كبيتنا كان حسين بشير مرحبا به وبشدة

يا ابو اجمل ابتسامة وكمان عالخد شامة .. بدعيلك يا حبيبى ترجعلى بالسلامة

تضعها ابنة خالتى الكبرى فى جهاز الكاسيت ثم تجلس بجانبى على الارض " جلستى المفضلة " لتتدرب على مهام عملها الجديد كمدرسة .. تفكر فى حبيبها البعيد الذى سافر الى السعودية منذ اشهر وهى تخرج الالوان الخشبية وكتب التلوين وتدفعنى لقراءة المعلومات البسيطة المكتوبة تحت كل رسمة وترفض باصرار رغبتى فى ان الون السمكة المرسومة بالالوان التى اريدها مصرة على ان التزم بالالوان الموجودة فى الستيكر الملصق اعلى الرسمة ليوضح الوانها

لم يعد الحبيب الغائب وتم فسخ الخطبة ليرتبط الغائب بابنة عمه بعدها بايام قليلة وتضرب ابنة خالتى عن الزواج لسنوات حتى وجدت من يستحقها والان لم تعد تستمع لحسين بشير

عابر سبيل مجروح فؤادى .. سهران ياليل ولمين بنادى

عاش حسين بشيرغريبا .. ولد بشير فى النوبة القديمة على حد علمى لكن التهجير طرق الباب، لسنا بصدد الحديث عن قضية النوبة هنا فلسوف لن يتفهم وجهة نظرى احد لا الاخوة النوبة الذين يكنون لنا نحن عرب اسوان عداءا تاريخيا ولا غير النوبة ممن يرون فى مطالباتهم بالعودة الى اراضيهم ترفا .. غربة حسين بشير عن اراضيه القديمة قد يبدو للوهلة الاولى انها غير ذات اثر فى اغانيه العربية البهيجة ذات الايقاع المغترب

الا انى اجد فى هذا الاغتراب الذى يبدو متعمدا من بشير المكروه فى البيوتات النوبية او على احسن تقدير ليس المفضل دليلا حيا على الحنين الذى يتغلب عليه بالانكار واسأل شجر الصفصاف واسأل شجر الحنة

الورد فتح على عوده .. فرحان بيتباهى بوجوده

استمع الى الاغنية وانا اعيد ممارسة هوايتى الاثيرة التى دفعت امى لازاله كافة اشكال الحياة الزجاجية من منزلنا اذ كنت اصر على جذب المفارش ليستقر ما تحمله مناضدها من طفايات ومزهريات زجاجية على الارض.. فى البداية كانت تسقط تلك الطفايات الثقيلة على رأسى الا انى بذكائى الواضح استطعت ان اطور تكنيكا جديدا اقوم من خلاله بجذب المفرش بزاوية جانبية بحيث تسقط الطفايات والمزهريات على الارض دون تلك الالام الموجعة التى كنت اورثها لنفسى فى البداية.

لتأتى أمى مسرعة من المطبخ لتجد الفقيدة مهشمة على بلاط الارضية وانا انظر اليها فى براءة مثيرة للغيظ ، كم كنت طفلة اليفة.

هذه المرة سقطت البطة الخضراء البلاستيكية " هى اوزة فى الواقع اصر انا انها بطة" التى تحوى زهورا بلاستيكية زاهية على الارض ، لتعطينى مفهوما خاطئا عن ذلك الورد الذى فتح على عوده.

وبعد ان عرفت ان هذا الورد ليس بورد كرهت الاوزة الخضراء بشدة ورغم ذلك غضبت واحتديت على امى عندما تخلصت منها فى القمامة وانا فى الصف الثانى الاعدادى "11 سنة".

حرام يا جارنا .. تترك ديارنا

الحنين .. يحمل الحنين مساحة لا حدود لها فى اغانى حسين بشير غالبا ما يتحدث عن حنين لحبيب غائب الا انى المح فيه حنين لاشياء اخر

يسخر منى حسين الحاج دائما قائلا انى اميل لرؤية اشياء عظيمة لا وجود لها فى اتفه الاشياء .. يعجب حسين لهذه القدرة ويضحك منها لهذا ساستمرئ غيظه اكثر واقول انى ارى فى حنين حسين بشير حنينا لاشياء اكبر من مجرد حبيب غائب ربنا كان حنينا لارض مهجورة ، او حنين للغة متروكة وهوية شائهة .. او حنين لاشياء اخرى لا يستطيع هو نفسه الامساك بها.. مجرد عابر سبيل كما يقول لا يجد راحة ولا مرفأ ، لهذا كثيرا ما اجد نفسى فى اغانيه ،ربما لانى انا ايضا احن لشئ ما لا اعرف ما هو بالضبط .. فقط كل ما ادركه ان هناك حالة ما من الاشتياق لشئ ما اقف على المينا انتظره

جايم مروح وين .. لسة الزمان بدرى .. خليك دقيقة معاى .. ياللى اغلى من عمرى

دموع امى تتهيأ للانسيال فيما اقدم شريط الكاسيت لاشغل هذه الاغنية وتنادى

- غيريها يا عزة

- ليه ماما

- بتفكرنى بخالك عبده

- منا بسمعها عشان كان بيحبها

- مش بس كدة .. اطفيها يا عزة اطفيها

- حاضر

خالى عبده .. عبد المجيد احمد عبد المجيد الشقيق الاكبر الذى اصطحبها فى رحلة شراء جهاز عرسها

الذى حملها على كتفه وهو يكبرها فقط باربع سنوات وهرع بها الى المستشفى وتشاجر مع الاطباء عندما لدغها عقرب اثناء لعبهما وهى فى الثامنة من عمرها

والذى اصر على اقامة سبوع اخر مواز لذلك الذى اقامه لى والدى وسافر الى بورسعيد خصيصا ليحضر طفايات الخزف والكريستال المستورد التى سيوضع فيها "سبوع عزة "

يجلسنى على ساقيه وايقونة العذراء التى يحبها واحبها تتدلى من عنقه اجذبها فيخلعها ويضعها حول عنقى تبدى جدتى دهشتها

- دنت مدتهاش لحمادة لما شدها من على صدرك " حمادة هو ابنه الوحيد الذى يكبرنى باربعة اشهر" رد عليها – تخبرنى امى – دى عزة.. الغالية بنت الغالية.

فى خامستى مات خالى فى حادث لم اشهده

لم اعرف بموته سوى بعد وفاته بالفعل بشهرين... اذكر ذلك اليوم وكأنه وقع لتوه ..

عندما تكرر سؤالى لم تحتمل امى .. وجلس ابى مجلسا اياى على ساقيه بذات الكيفية ليعطينى درسى الاول عن الموت.

دونما سبب افهمه لم اعد اقبل ان تفارقنى ايقونة العذراء الذهبية كنت ارفض خلعها الى ان خطفها منى لص اثناء لعبى امام المنزل وانا فى السابعة ......


-------------------------

لتحميل الاغنية التى يحمل البوست عنوانها

وجدى .. كنت انوى ان اكتب لك رسالة علنية خاصة هنا احتفل فيها بعيد ميلادك الاول الذى تقضيه بعيدا لكنى لم اتمكن من ذلك

اعد لك احتفالية خاصة ..حقا انها ستبقى عن بعد الا انها كل ما املك لك الان

ولانى اعرف انك تحب كل ما هو منى فانا اعرف انك ستحب هذه التدوينة ، كل سنة وانت طيب يا احسن صاحب فى الدنيا

السبت، 17 أكتوبر، 2009

صلاح الشرنوبي .. ع البال

من الشخصيات التي سقطت في الطريق ولم يهتم أحد بمعرفة مصيرها، الملحن صلاح الشرنوبي، مهندس الميكانيكا الذي اختار التلحين.. مما لا شك فيه ـ تعبير قاطع ـ أن أول انطباع قد يتولد لديك عند متابعة الشرنوبي وهو يتحدث في شاشة التلفزيون انه سكران، أو صاحب كيف.. ليس هذا هو سبب اختفاؤه، ففي الوقت الذي أعلن فيه أخاه فاروق الشرنوبي أنه معترض على ما يحدث في الساحة الغنائية، و أنه ـ فاروق ـ شبه معتزل، كان صلاح أكثر مرونة ومتواجدا في السوق بقوة، لكن في زمن عمرو مصطفى الذي ورث شيئا من اسلوب الشرنوبي ـ عدا استخدام المقامات الشرقية الأصيلة ـ كان على الأخير أن ينسحب
**
في السنوات الأخيرة أصبح أكثر التصاقا بالمغنين العرب، ولا مانع من أن تراه ضمن لجنة تحكيم في برنامج مسابقات، كانت بداية مشواره منذ سنوات طويلة لكن نقطة الانطلاق حسب ما قالت السيدة وردة الجزائرية كانت بعد تعامله معها، وحمل هو هذا الجميل وأنتج مسلسلها لعبة الأيام وظهر فيه في لقطات قصيرة
**
تعامله مع وردة أبرز ميلا إلى استخدام المقامات الموسيقية غير المألوفة، حيث قدم دون خشية مقامات مثل النكريز والحجاز كار، ولم يكن ينافسه في هذا إلا الراحل رياض الهمشري، وكلاهما كان ينهل من مدرسة محمد الموجي الذي كان على نفس هذا الخط
جاء تعامل الشرنوبي مع وردة في زمن انتشار الراي في الوطن العربي، وهو ما استفز لديه النزعة المغاربية التي جعلته مقربا من التونسية ذكري ووردة الجزائرية وسميرة سعيد مغربية الأصل.. وغيرهن
**
الأخ الأكبر فاروق الشرنوبي كان طموحه واضحا، خاصة في الفترة الأخيرة التي ركز فيها على المسرح الحكومي وبعض التواجد المتواضع في المسلسلات، بدأ فاروق وكأنه يعد نفسه بألحان (ملائمة)ـ كي ينضم إلى قافلة الشيوخ إمام وسيد درويش وغيرهم، وكانت إرهاصات ذلك حين بدأ مسيرته مع مطربي الثمانينات أمثال علي الحجار وإيمان البحر وغيرهم
أما صلاح الشرنوبي فكان أكثر عملية، لكنه ظل تسعينيا.. ضمن مجموعة تضم رياض الهمشري وحسن دنيا وحسن ابو السعود من الذين أرسوا القواعد التي بنى عليها ملحنون اليوم أعمالهم، لكن الجيل الجديد أصبح أكثر عددا وحضورا، ومع ذلك فيمكن أن تراه حاضرا حتى آخر لحظة مع ميادة الحناوي العائدة في بداية هذا العام، أو خالد سليم وبعض المطربين العرب، لكنه لم يعد الأول على الساحة
مشكلة الشرنوبي أن ما كان جديدا في التسعينات، لم يعد كذلك الآن، وأن مزاجه الرائق لم يعد مطلوبا سوى من باب التنويع.. لعله أدرك ذلك فاقتحم مجال الانتاج كي يظل متواجدا.. ساعد كثيرين مثل فضل شاكر، لكنه ظل متواريا
**
كانت قمة نضج صلاح الشرنوبي في الفترة التي عاد فيها جورج وسوف مع أغنية كلام الناس عام 94، وآخر نقاط ازدهاره في رأيي في أوبريت الحلم العربي الذي شارك في تلحينه مع حلمي بكر
**
أغنية عالبال التي لحنها صلاح الشرنوبي لسميرة سعيد في العام 98 من مقام النهاوند هي إحدى أروع الأغاني التي غنتها سميرة سعيد
لم تجذبني في التوزيع الأصلي، لكني فتنت بها مؤخرا بعد إعادة توزيعها في برنامج تاراتاتا مع المغنية الشابة جنات، وأرى أن جنات كانت أروع من سميرة سعيد، بعد مشاهدة الكليب أصبحت من محبي جنات التي لم تصل بعد لقدرة سميرة في اختيار ألحانها
لاحظ في الدقيقة 6:50 كيف تنقل عازف الناي بين العرُب دون أن يشعر به أحد


فيما يبدو أن العام 2009 لم يكن عاما سعيدا على الشرنوبي .. فقد تصاعدت حدة قضايا الشيكات التي كان عليه سدادها، ولم يتقدم إلى انتخابات جمعية المؤلفين والملحنين، وكانت الخاتمة أن صدر ضده قرارا بالحبس مدة عامين، وأصبح هذا هو آخر أهم الأخبار التي تناولتها الصحف عن الملحن الموهوب، أعترف أنني أردت قبل كتابة هذا البوست أن أتصل بمنزله لمجرد إلقاء التحية من معجب مجهول.. مجرد فضول، ربما لأني لم أكن أعرف إن كان فعلا في السجن أم انتهت مشكلته أم ...ماذا
الآن بعد كتابة هذا البوست استمع إلى أغنية على البال مرة أخرى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عائلة الشرنوبي في حاجة إلى مزيد من الكتابة، خاصة بعدما فوجئت بهذا الموقع العجيب

الثلاثاء، 6 أكتوبر، 2009

يعني إيه كلمة وطن ؟

الغريب إنه الكليشيه ده ظهر في نهاية الثمانينات في إحدى حلقات مسلسل عجيب لعروسة اسمها كوكي كاك، مع الفنانة المندثرة إيمان الطوخي
أخدها د.مدحت العدل، وخلاها مدخل أغنية في فيلم أمريكا شيكا بيكا في بداية التسعينات اللي بيناقش قضية خطيرة، عن الناس اللي بتهرب من بلدها ورا حلم السفر إلى الخارج والعياذ بالله
**
أغاني كتير في الفيلم كانت بتلعب على مغازلة الحس المصري، الحميمية، الشوارع، بنات المدارس، نفس التيمة اللي لعب عليها مع عمرو دياب في فيلم أيس كريم في جليم.. أغنية رصيف نمرة خمسة

يعني ايه كلمه وطن ** يعني ايه كلمه وطن
يعني ارض حدود مكان ** ولا حاله من الشجن
ولا ايه لا ايه ولا ايه
(لاحظ الاستهجان)
ـ

أسئلة مشروعة.. العدل بيطرحها، ويخلينا نتساءل، وبعدين يدور معانا على الوطن

شاي بالحليب علي قهوه في الضاهر هناك
نسمه عصاري السيده ودير الملاك
يعني ايه كلمه وطن
نشع الرطوبه في الجدار
(نشع الرطوبة.. هتلاقيه فين تاني ده؟؟ )
ـ
ولا شمس مغرقه برد النهار
ولا امك ولا اختك (فين نخوتك؟)
ـ
ولا عساكر دفعتك
والرمله نار
بيستصرخ العدل جوا الشباب الضائع ذكرياتهم البريئة، والناس الطيبة، والحاجات الحلوة اللي مش هيلاقوها بره

يعني ايه كلمه وطن
يعني ريحه يعني صوت
(أكرر ..يعني ريحة يعني صوت)
ـ
ايام بتشكي في بعضها وسنين تفوت
واما نسافر والحدود يفصل مابينها الف ميل
اما نسافر والحدود يفصل مابينها الف ميل
بنسيب سنين الحب والعمر الجميل
ولا ايه ولا ايه ولا ايه
ولا بناخد كل دول
هزه فرح او غيم هموم
واحنا بنحلم بالوصول
حتي في عرقنا في الهدوم
(العرق والشقا والحاجات دي)
ـ
بتهزنا حاله شجن

هوه ده معني هوه ده معني الوطن
هوه هوه هوه ده معني الوطن
هوه هوه هوه ده معني الوطن

هنا وصل كل من العدل ومحمد فؤاد.. إلى الحقيقة
المزيكا ألحان أحمد الحجار صاحب الأغنية التسعينية الشهيرة.. لملمت خيوط الشمس ، اللي أنهى الأغنية بأجواء بطولية مع قرع الطبول والبراس سيكشن
ـــــــــــــــــــــــــ
لم تكن الكتابة عن أغاني الحرب والانتصار. لأسباب شخصية

السبت، 3 أكتوبر، 2009

محلاه مسك الختام


هذه موسيقى سمراء، نيلية، تحملك فوق ماءها طافياً منساباً في هدوء مثلها.
لعلّ الهدوء الذي يبثه موشح "الزمان" لحمزة علاء الدين هو هدوء المغترب بعد أن تصالح مع غربته، وهدوء الباحث عن راحة قلبه بعد حيرة أرهقته طويلاً، يحتفل بتفاصيل حياته الحقيقية بعيداً عن كل ما كدر صفوها الأول، ويتمنى أن يقام عدل الحياة بسيطاً مسالماً فوق الأرض مهما بدا له متسحيلاً.
..
"نصالح المخاصم
ونحنّ للمواعيد"
..
ممحاة صغيرة في الجيب، دائماً ما تفقد في رحلة السنوات الطويلة، تمحو كل مؤلم وقاسي، فتتطابق النهايات مع البدايات الأولى، ويعّد كل ما جري بينهما ليس بنفس ذات قيمته، فكأنها لم تكن، ستترك جروحاً يعالجها الزمان كيف يشاء، وندوباً تختفي في ابتسامة رائقة تستيقظ فوق وجوهنا لحظة استيقاظنا، وتظهر في تنهدات رحيمة، لكنها تبقى حتى النهاية علامة مرور الوقت علينا ومرورنا عليه.
..
"نتصافى مع اللي جافا
نشطب غضب البواخر"
..
نتردد أمام الرضا، نتدافع هرباً منه، نساويه بالفناء، نملأ ونمتلئ، حمقاً وحكمة، كراهيةً ومحبة، ثم متى نفرغ من الدنيا وتفرغ منّا، قد يجد الطريق إلينا، وقد لا نجد الطريق إليه، فهو الذي يذكر جدار صدرٍ ملئه في طفولته الماضية أكثر مما يذكره.
..
"تنزل يا قمر
على رمش العين تنام"
..
العودة. لعلّي صغير لأعرف معنى العودة، كم يبدو لي الآن هذا الزمان بعيداً؟
لكنني أكتب عنه مثلما شاهدته ذات يومٍ قديم في أجداد يتنشقون رائحة الحناء والمسك الباقية في راحاتهم ببطء كمن يتشوق لها منذ عقود.
..
"عشان ما إحنا بشر"

للتحميل هنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبيكار

الاثنين، 28 سبتمبر، 2009

ثلاثة أسئلة وإجابة واحدة عن أمّ كلثوم

لماذا لم تغنِّ أمّ كلثوم لحناً واحداً للشيخ سيد درويش؟

تحكي المفارقة أن أمّ كلثوم وصلت من قريتها طماي الزهايرة لتستقر نهائياً في القاهرة، في نفس العام الذي توفّي فيه الشيخ سيد درويش البحر.

عادةً، يحب الراصدون والمؤرخون المفارقات، يفرحون بها أو يلجئون إلى خلقها إذا لم تكن موجودة. وإذ كانت السنة التي استقرت فيها أمّ كلثوم في المحروسة موثّقة، فإن ثمة مفارقة ليس بالضرورة أن تكون حقيقةً، وهي أن أمّ كلثوم غنّت للمرة الأولى على مسرحٍ في القاهرة في ذات اليوم الذي ارتفع فيه الشيخ سيد إلى السماء.

يمكننا أن نفهم ولع هؤلاء الراصدين بهذه المفارقة، التي لا دليل على أنها حقيقة كما لا دليل على أنها محض خيال، إذا وضعناها في سياق ولعهم بأمّ كلثوم، ومحاولة إلصاق سيرة الشيخ سيد، كيفما اتّفق، بسيرتها هي، فإذ أنّ الظروف لم تُتِح لهما أن يلتقيا، فلتتحوّل القصّة إذن إلى تلك المفارقة، شخص يسلّم الراية لآخر، وهكذا، يجدون المبرر، وهو المولعون بأمّ كلثوم، لوضعها في منزلةٍ واحدةٍ مع الشيخ سيد.

ذُكِر أيضاً أن أمّ كلثوم كانت دائماً ما تردد حكاية هذه المفارقة، كما أنّها وردت في المسلسل الذي تناول حياتها. كما يُذكَر أيضاً على لسانها، أنها كانت تعتبر الشيخ سيد أهم ملحني مصر إطلاقاً، وأنها كانت تتمنى أن تلتقي به وهي في القاهرة، وأن يلحّن لها. هذا، ما يُذكر على لسان من لُقِّبت بـ"كوكبِ الشّرق".. "سيّدة الغِناءِ العَربيّ".

في الفترة التي تمتد من ثلاثينيات القرن الماضي، حتّى يومنا هذا، غنّي كثيرٌ من المطربين ألحان الشيخ سيّد درويش، زكريا أحمد (الكوكايين وغيرها)، محمد عبد الوهاب (الشيطان وغيرها)، كارم محمود (ياللي قوامك يعجبني وغيرها)، سيد مكاوي (والله تستاهل يا قلبي)، وغيرهم كثيرين، بل وحتّى خارج مصر، غنّت له السيدة فيروز، وغنّى له صباح فخري وسعاد محمد، وأشهر منشدو الموشحات والقدود الحلبية مثل صبري مدلل. كلّ من عُرف عنه ولعه بالسّيّد درويش البحر غنّى له، وحدها أمّ كلثوم عُرف عنها هذا الولع، دون أن تترجمه ولو بأغنية واحدة، ولم يطرح أحدٌ هذا السؤال، لماذا؟

لماذا تخلّت أمّ كلثوم عن ألحان القصبجي الرشيقة المميزة لصالح ألحان السنباطي التي تمجّد صوتها ليس أكثر؟

كان القصبجي ملحناً فذّاً، بارعاً في استحضار الجُملِ الموسيقيّة، تقترب جملته من التمام، تستطيع أنّ تميّز أنه القصبجي من جُملته، صاحِبُ بصمة دون أن يكون مكرّراً. تشتم رائحة القصبجي في "قلبي دليلي" و"ما دام تحبّ بتنكر ليه" و"إمتى حتعرف إمتى" و"يا صباح الخير ياللي معانا" و"رقّ الحبيب"، هو المجدد الأول في الموسيقى العربية، باعتبار أن السّيّد درويش هو المؤسس وزكريا أحمد هو امتداد التراث، فماذا حَدَث للقصبجي؟

معروفٌ أن قصب كان غارقاً حتّى أذنيه في غرامِ أمّ كلثوم، ومعروفٌ أيضاً أن أمّ كلثوم كانت تعرف أن قصب غارقٌ حتّى أذنيه في حبّها ولكن هي لم تكن تحبّه.

بدأت علاقة القصبجي مع أمّ كلثوم منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدما ابنة المنصورة أرض المحروسة، غنّت من ألحانه قبل أن تتعرف عليه، وكان لقاؤه أمَلاً لها باعتباره من الملحنين الذين حققوا شهرة لا بأس بها في مصر، بينما مازالت هي مطربة جديدة تطمح إلى النجاح. بعد أن تعرّفت ابنة المنصورة على القصبجي وبدأ التعاون بينهما اشتهرت هي بألحانه هو، وبدأ تهافت الملحنين على التعامل معها، فهي أولاً صوتٌ قويٌّ مغرٍ لأيّ ملحنٍ، وثانياً هي وجهٌ جديدٌ في مرحلة تحوّلٍ موسيقي فيه ثورةٌ على الأنماط الموسيقيّة القديمة، ثورة وجوهها شبابٌ كمحمد عبد الوهاب، سحبوا معهم الجيل الأقدم كزكريا أحمد والقصبجي، في الوقت الذي كانت رموز النمط الأقدم، كمنيرة المهدية وفتحية أحمد وبديعة مصابني تتكسّر وتنهار.

وهكذا يمكننا بضميرٍ مرتاح ودونما أن نكون بعيدين عن "العدل"، اعتبار أن القصبجي هو من صنع من أمّ كلثوم مطربة، بدأ معها رحلتها من الصفر ومنحها ألحاناً بيّنت قدرات صوتها اللا تقليدية وكان سبب انتشارها في عالِم الغِناء.

كان لحن "رقّ الحبيب" علامة فارقة، فهو من ناحية نقلة في أداءات القصبجي كملحّن، لم يعتد على تلحين الأغنيات الطويلة، ومن ناحيةٍ أخرى نقلة في أغنيات أمّ كلثوم، إذ حقق اللحن شهرة ونجاحاً لم يحققه لحن من الألحان السابقة التي تغنّت بها، ومن ناحية ثالثة، كان هذا هو آخر تعاونٍ بين القصبجي الملحن وأمّ كلثوم، فبعده، رفضت ابنة طماي الزهايرة غناء أي لحنٍ جديد للقصبجي إلى توفي عام 1966.

المولعون بأمّ كلثوم، يؤكدون أن القصبجي أفلس بعد تقديم هذا اللحن، وأن أمّ كلثوم بعبقريتها وحنكتها اكتشفت ذلك، فامتنعت عن قبول أيّ لحنٍ آخر من قصب. ولكن ليس من دليل مفهوم منطقي مُرتبطٌ بالموسيقى، أو بدراسة شخصية القصبجي ونفسيته، يؤكدّ هذا الزعم، ولذلك، فهو زعمٌ لا يعوّلُ عليه.

في فيلم دنانير عام 1940، رفضت أمّ كلثوم التعاون مع ملحنٍ شابٍ لعلّها لم تكن تتذكّر اسمه، ولأن أغنية لحّنها هذا الملحّن كانت ضروريّة في سياق الفيلم، فقد سجّلها هذا الملحّن بصوته. ولكن بعد عرض الفيلم، واستمتاع ثومة بأغنية "على بلد المحبوب ودّيني"، وافقت على تسجيلها، وطلبت ترتيب لقاءٍ بالملحّن الشاب رياض السنباطي.

كان هذا قبل أن يلحّن القصبجي رقّ الحبيب بثلاثة أعوام، بعد أن التحق السنباطي، الملحّن المجهول، بأمّ كلثوم، بثلاثة أعوام، تخلّت "سيدة الغناء العربي" عن ملحّنها الأول، ليتحوّل إلى عوّادٍ في فرقتها الموسيقيّة، لصالِح ملحّنٍ شابٍ مستعدٌّ تماماً أن يرضخ لشروط "كوكب الشرق" في موسيقاه مقابل أن يلحّن لها، فرسمَت هي ملامح جملة السنباطي الموسيقية التي تمجّد صوتَ مَن يغنّي دون أن تعلق جملة موسيقيّة بذاكرتك لِما فيها من جَمال. ولأنّ الأصوات الأخرى ليست كصوتِ أمّ كلثوم، لم ينجح للسنباطي أي لحنٍ مع مطربٍ أو مطربةٍ عدا أمّ كلثوم.

واستسلم قصب تماماً لما تفعله به أمّ كلثوم بسبب ولعه بها، يكفيه أن يبقى بجوارها ولو كعوّادٍ في فرقتها الموسيقيّة، على أمل أن يأتي يوم ما، تطلب منه "السِّت" لحناً، لكّن هذا اليوم لم يأتِ أبداً. ولكنّ السؤال حول موقف أمّ كلثوم من قصب مازال إلى الآن بلا إجابة، لماذا؟


ماذا لم تتعاون أمّ كلثوم مع عبد الوهاب إلا بأمرٍ رئاسي؟ ولماذا كانت مرتعبةً من المقدّمة الموسيقية لـ"إنتَّ عُمري"؟

في أواسط ثلاثينيات القرن الماضي، حاول طلعت باشا حرب، صاحب استوديو مصر، إنتاج فيلم يقوم ببطولته محمد عبد الوهاب وأمّ كلثوم، ولكنّه فشِل.

تمنّى الجمهور المصري بشغفٍ لا مثيل له أغنية تؤدّيها له أمّ كلثوم يلحّنها عبد الوهاب، كان يعرف أن عبد الوهاب، بموهبته وثقله الموسيقي، قادرٌ على استكشاف مناطق أخرى في صوت ثومة، وكان يعرف أيضاً أن عبد الوهاب الموسيقي المولع بالمزج بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغريبة، سيشكّل نقلة في ما تقدّمه أمّ كلثوم من ألحانٍ. كان الجمهور المصري يجري وراء متعة يفتقدها دون أن يعرف لماذا.

كانت لعبة القط والفأر ملمحٌ مهمٌّ في العلاقة بين ثومة وعبد الوهاب. كلٌّ مِنهما يتفوق على كلِّ من عداه في عالم الموسيقى، إلى أن تصل المنافسة إلى القمّتين فيشفل أيٌّ مِنهما في حسمِها لِصالحه، فيما يتعلّق بالأجور، وفيما يتعلّق بالمناصب، وفيما يتعلّق بالجماهيريّة.

امتدّ التعثّر في جمع القمّتين بعد محاولة طلعت حرب الفاشلة في منتصف الثلاثينات نحو ثلاثين عاماً، عبّر خلالهما جمال عبد الناصر، الذي كان أحد المولعين بأمّ كلثوم وبعبد الوهاب، أكثر مِن مرّة، عن رغبته في أن يستمتع بأغنية يلحّنها ملحّنه المفضّل لِمطربته المفضّلة دون جدوى. يطلب منه مرّة ومنها مرّة ومنهما سويّاً مرّة، إلى أن يحتدّ عليهما ذات يومٍ في أحد احتفالاتِ عيد الثورة بجامعة القاهرة، ليبدو الطلب في هيئةِ أمرٍ رئاسي، فيرضخ الطرفان أخيراً، وتبدأ رحلة التعاون في "أنتَّ عُمري".

حتّى الآن، يمكننا أن نضع عزوف أمّ كلثوم على التعاون مع عبد الوهاب في سياق لعبة القطّ والفأر المذكورة آنفاً، إلا أن التفاصيل اللاحقة والخلافات التي نشبت فيما يخص الأغنية، تفتح أعيننا على سؤالٍ آخر.

في المرّة الأولى التي استمعت فيها أمّ كلثوم للمقدّمة الموسيقية التي وضعها عبد الوهاب للأغنية كادت أن ترفضها، فهي مقدّمة موسيقية مميّزة تلفت الانتباه بحدّ ذاتها، يستعرض فيها عبد الوهاب إمكانياته كملحّن، وليست المقدّمة فقط، فحتّى لحن الأغنية، متنوعٌ وراقص، له معنى في حدِّ ذاته لو عُزِفَ منفرداً دون غنائها.

كانت حجّة أمّ كلثوم على المقدّمة استخدام آلة الجيتار، تلك الآلة الغربية التي لم تستخدمها مطلقاً في أيٍّ من أغنياتها، كانت تقول إنّها خائفةً مِن ردِّ فعل الجمهور على تلك الخطوة الجريئة، كانت تقول إن جمهورها لم يعتد عليها تغنّي بعد مقدّمة موسيقية تتنوع بين الكونترباص والجيتار والقانون.

ولكن، هل كانت أمّ كلثوم غبيّة؟ كلا!

لأنّ أمّ كلثوم لم تكن غبيّة، فإنّها كانت تعرف جيداً أن جمهورها سيحبّ هذه المقدّمة، فهي، أي المقدّمة، مُلفته وجيدة من الناحية الموسيقيّة، وهو، أي جمهورها، لن يرفض تعاونها الأوّل مع عبد الوهاب، خاصّة وأنّه مُلفتٌ وجيّد.

لأنّ أمّ كلثوم لم تكن غبيّة، فإنّها كانت تعرف أيضاً، خلال ثلاثين عاماً، أنّ أيّ تعاون بينها وبين عبد الوهاب سيؤدّي إلى أن تؤدّي أغنية لحنها لافتٌ وجيّد، يختلف عن ما يقدّمه لها السنباطي وغيره.

ولأنّنا لسنا أغبياء، فيحقّ لنا أن نربط بين تخوّف أمّ كلثوم من اللحن الذي كانت تعرف تماماً أنّه جيّد وأن جمهورها سيحبّه، وبين عزوفها عن التعاون مع عبد الوهاب طوال ثلاثين عاماً.

لمّ تغنِّ أمّ كلثوم سيّد درويش رغم أنّها كانت مولعةً به، ولَم تقبل أمّ كلثوم مزيداً من ألحان القصبجي رغم أنّ ألحانه كان لها بصمةً مميزةً في أغانيها، ولَم تتعاون مع عبد الوهاب إلا بعد أمرٍ رئاسيٍ وحاولت مسح بَصمَته الموسيقيّة عن الأغنية.

فهل كانت أمّ كلثوم تحب أن تلفت الموسيقى المميزة اهتمام جمهورها؟

----------------------------------------------------------------------------------------------

الصورة الاولى : صورة نادرة للشيخ سيد درويش اهداء شريك المدونة حسين الحاج

الصورة الثانية : لقطة تجمع بين القصبجى وام كلثوم

الصورة الثالثة : جانب من بروفات انت عمرى تجمع بين عبد الوهاب وام كلثوم - الصورة من منتدى سماعى للطرب العربى الاصيل

السبت، 19 سبتمبر، 2009

الجسر

(- درست الموسيقى الغربية.. فلماذا جاء تحولك للشرقية؟

- كان سؤال البحث عن الذات ملحاً لسنوات طوال، حتى جاءت الانتفاضة الأولى فتنبهت للإجابة عن سؤال أين أنا من حركة شعبي و شعرت بالحاجة للمشاركة في التعبير عنه فكانت مرحلة التحول.)*

....

أين يبدأ الحديث عن الموسيقى؟، وأين ينتهى سحرها ؟

كتبت سلفاً عن "الأفراح" الرحبانيّة، وكما ألهمتني تلك الأفراح، أوحى "بريدج خالد جبران" إليّ بياسين، ولا زالت هناك أشياء لم تكتب بعد من وحيه، أو كما يقال "يا مّا في جراب يا حاوي"

كذلك يخرج جبران لنا من جراب موسيقانا الشرقية ألحان مختارة بمزاج أصيل، مستعيداً تلك الألحان في عمله الثالث الجديد "بريدج"، مطوراً بقوة تجربته الأولى في "أم الخلخال" بمصاحبة (فرقة الموسيقى الشرقية)، يأتي اختلاف التجربة شكلاً في الحضور البارز القوي للآله البزق الشاميّة التي شارفت على الإنقراض من كثرة النسيان والإهمال والتهميش، وتواجد آلالات أخرى تراثيّة نادرة كمثل الربابة والأكورديون والكولة المصريين، ويغامر جبران موضوعاً بإعادة توزيعه الجلّية للمقطوعات المختارة مبدلاً ومغيّراً في روحها الأصلية بمتعة الفنان الحقيقي.

ينبهنا جبران إلى أول المقطوعات من الرنّة الأولى المميزة للآله البزق قبل أن تعزف للشيخ سيد درويش "شد الحزام" عزفاً حاداً دقيقاً، متكرراً في حلقة واحدة متوازية بين آلالاتي البزق والكولة، تؤكد سميتريتها من الشعور بحرفيّته العالية المتميزة في عزفها، التي سرعان ما تشعرك بنزع جبران لروحها الحماسية الأصلية منها تجعلها جافة شديدة الجفاف، فهل من سرّ وراء هذا ؟

وما السر وراء "أم الخلخال" ؟، تلك المقطوعة العراقية للعظيم الراحل "منير بشير" التي شغلت بال جبران كثيراً، فكان عنوان عمل فرقته الأول باسمها حيث قدمها لأول مرة، ثم أعاد توزيعها مرة أخرى في "بريدج"، فإذا سمعنا النسخة الأصلية لمنير بشير، أحسسنا البهجة الشجيّة التي يشيعها رنين الجلاجل والصاجات في خلفية المقطوعة، نسمعها كصدى بعيد يمر في المساحات الفارغة من صوت العود، كأنها قادمة من زمن قديم بعيد، لكن عندما أعاد جبران توزيعها في المرة الأولى، خفض إيقاعها، حتى رنينها، قصره على رنّة المثلث والرق، فصارت أكثر حزناً كأنها تنعي لنا رحيل منير بشير مرة أخرى، ثم يعيد توزيعها للمرة الثانية، حيث يفرد مساحة طاغية لآلاتي الناي والكولة والربابة الحزينات، تسمعها بوضوح في نهاية المقطوعة، جاعلاً منها عويلاً صارخاً بالبكاء، لا ينعي لنا منير بشير فحسب، بل ينعي لنا منير بشير والعراق والشرق كله.

سنتذكر أفراح زياد الرحباني بسماع "يا مرسال المراسيل" لفليمون وهبي، فجبران يقوم على ما قام عليه زياد وإن اختلفت الأذواق شكلاً وموضوعاً. يقدم جبران التراث بكل أشكاله، فلكلورياً في "يا ميت مسا"، والتراث المسجل في "سماعي شدّ عربان" للفنان التركي المجدد جميل بك الطنبوري، والسماعي هنا شكل كلاسيكي من أشكال موسيقانا العربية، كما يقدم "لا عيوني غريبة" لوديع الصافي، التي يهديها خالد جبران إلى روح عازف البزق اللبناني مطر محمد، و"واه حبيبي"، ترنيمة من ترانيم الجمعة العظيمة، نعرفها خاصة بصوت فيروز، وهي في الأصل لحن من الموسيقى الكلاسيكية الغربية للموسيقار جيوفاني بيرغوليزي.

يقول علاء حليحل "فالاستماع إلى "مرسال المراسيل" أو "لا عيوني غريبة" في هذا الألبوم لا يعادل الاستماع إليها مُغنّاة من فيروز والصافي؛ فجُبران يُخرج هذين اللحنين من رتابة ما قد أسمّيه "الحبّ العاديّ" للألحان وللأغاني المألوفة والمُحبَّبة، نسمعها في البيت أو في السيارة أو أثناء حفلة عرس، ويأخذهما إلى منطقة "الحبّ الكشّاف"، إغفروا لي فلسفتي المصطلحيّة، أي ذاك الحبّ الكامن فيكَ (عن معرفة سابقة) إلا أنه يكشف وينكشف من جديد، وهو بهذا يُنسيك "الحبّ العادي" الأول."

يعبر بنا جبران جسور عدة، لا جسراً واحداً، بين مصر والشام والعراق وتركيا، إلى حسّ جديد بموسيقانا الشرقية.

....

(هل موسيقانا الشرقية تطريبيةٌ بحكم تعريفها؟، هل قدرها محتوم فعلاً بالتعبير عن "منتهى الفرح" أو "غاية الحزن" فقط؟، وما هما سوى: "طرفين نقيضين من الوجدان يتحدان فتغدو الحالة طرباً"!، ماذا عن باقي الحالات النفسية والشعورية التي تُشكل جل كيانك النفسي اليومي وهي خارج خانة التطريب أو الوله والبكاء؟، ماذا عن الخوف؟، الحسد؟، ماذا عن الأمل, القلق، الملل, الجشع، الإحباط؟، والشجن؟، وماذا عن نشوة الانتصار المؤقت عند اجتيازك الحاجز العسكري المجاور بسلام ؟

ماذا عن العقيدة الإلهية إذ تتهاوى في أعماقك خزياً يوم يقوم "سيد العالم الأبيض" مدافعاً عن "صليبه المقدس" بصلبك واخوتك ولغة أمك على صفيح أكواخ مخيم جنين أو البصرة؟، ماذا تكتب أيها الموسيقي حينها وماذا تعزف؟، أموشحات أندلسية حالمة أم سماعيات تركية مُرَفهّة؟، وهل تتناغم إيقاعاتها الرصينة مع رشاقة وقع الصواريخ على ليل بيت جالا؟)*

الخميس، 10 سبتمبر، 2009

بالأفراح.. السلطنة صناعة وطنية ثقيلة



هذه التدوينة اهداء من حسين الحاج " السهروردى " لمزيكا وبس






كتبت من وحي ألبوم "بالأفراح" تدوينة قديمة، كتبتها وقت أن اكتشفته وسمعته لأول مرة، الآن، أكتب لكم عنه بعدما سمعته مئات من المرات.

زياد الرحباني قدم لنا في عام 1977 ألبوم موسيقي خالص من الغناء، عشر توزيعات لمقطوعات موسيقية وأغاني معروفة، بعضها من ألحانه والبعض الثاني من ألحان آخرين.

يفتتح الألبوم بلحن أغنية "قصقص ورق" من ألحان الرحابنة من مسرحية "ناس من ورق"، لكن اللحن على أية حال هنا يكتسب طبيعة أبطء في الإيقاع وأروق في المزاج عن الأغنية الأصلية. يتبعها مباشرةً "رقصة تحيات" وهي من ألحان زياد نفسه وقد سبق تقديمها في مسرحية "نزل السرور" سنة 1974، نلحظ فيهما التركيز على سولوهات الكَمَان، تليهما أغنية لفيروز اسمها "عتّم يا ليل" وهي أغنية من كلمات وألحان الأخوين ولكن زياد أعاد توزيعها شرقياً.

والمفاجأة !!، نكتشف أن زياد يحبّ فايزة أحمد، والتي للأسف أكرهها، من خلال تقديمه لواحدة من أغانيها "آخد حبيبي يانا يامّه"، ثم يعود زياد لأعماله ب"مقدمة سهريّة" وهي موسيقى المقدمة الثانية لمسرحيته الغنائية "سهريّة في قهوة نخلة التنين"، ثم يقدم لنا فيروز "يا حمام يا مروّح" و"سألوني الناس"، الأولى من ألحان حليم الرومي وأعاد زياد توزيعها الموسيقي، والثانية هي أولى أغانيه لوالدته من مسرحية "المحطة" التي قدمت في قصر البيكاديللي عام 1973، وكان لحنّ "سألوني الناس" وهو عمره سبعة عشر سنة أثناء مرض والده عاصي الرحباني في المستشفى !!

ويختتم الألبوم بموسيقى أغنية "زوروني كل سنة مرة" في توديع جميل، أجمل توديع للمستمعين.

ألاحظ اعتماد زياد توصيل إحساس التسجيل الحي للحفلات في الأعمال –على الرغم من أن الألبوم مسجل تسجيل استديو- من خلال ما قد يُسْمع من أصوات الصادرة من الكورس أو أحد أعضاء الفرقة مثل "الله – يا ليل - يا عين - يا روح - آه .. إلخ" والتي قد تبدو ارتجالية تماماً، وهي حقيقةً ( في معظمها ) مقصودة، فحتى هذه التدخلات مدروسة، هكذا لا يترك الرحباني شيئا للعبث. دمج وربط المقطوعات ببعضهم بوصلات قصيرة على آلالات القانون والناي يحقق لنا أعلى درجة من الانسجام والتطريب، علاوة على ذلك اختار زياد مجموعة قليلة من العازفين لكنهم حققوا اشباع موسيقي في ساعة واحدة لا تزيد !

سمعت آراء أصدقائي "المتغرّبين" يتكلمون عن موسيقى الجاز في أغاني زياد، وعن أن الشرقي في ألحانه لا يضاهي بأيةِ حال ميوله القوية للموسيقى الغربية، زياد الرحباني يعلن انحيازه للتخت الشرقي في "بالأفراح"، لكن على طريقته الخاصة، الطريقة الرحبانية، إلى درجة أن غلاف الألبوم، مصوّر فيه مجموعة من العازفين يرتدون بدل رسمية وطرابيش بالأبيض والأسود في صورة جماعية. فهل هذا يكفي لهم دليل على أصالة وتجذر زياد في الموسيقى الشرقية ؟

للتحميل اضغط هنا


الأربعاء، 9 سبتمبر، 2009

فبمن يـلوذ و يستجيـر المجرمُ

من امتع الأشياء أن تتابع ما يكتبه البعض عن نجومهم من كتابات تسعى إلى تحسين صورتهم وتجميل ماضيهم.. مؤخرا كان مايكل جاكسون احد هؤلاء الذين تم تجميل صورتهم بعد إشاعة خبر موته على الاسلام، إلا أن الصدفة ألقت أمامي بِأشعار منسوبة إلى أبي نواس الذي عرف بشاعر الخمر.. كانت المرة الأولى التي أقرأها
يا رب إن عظمـت ذنوبي كـثرةً - فلقـد علمتُ بأن عـفوك أعظمُ

إن كان لا يرجـوك الا محسن - فبمن يـلوذ و يستجيـر المجرمُ

أدعـوك رب كما أمرتَ تـضرعـاً - فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ

مالي إلـيـك وسـيـلـةٌ إلا الرجــا - وجميل عفوك ثم إني مسلمُ

قيل أن هذه الأبيات قالها الشاعر الراحل قبل وفاته، وبعد توبته.. والأكثر من هذا أن رواية أخرى ذكرت ـ على سبيل التجميل ـ أن أصحاب أبو نواس رأوه في المنام مستبشرا ويردد عليهم هذه الأبيات، ربما تكون إحدى القصص القديمة التي ما زالت تتردد حتى عصر مايكل جاكسون.. لكن بعيدا عن مدى صدق أبو نواس في توبته أو حقيقة ذلك.. فالحقيقة أن الأبيات مكتوبة بطريقة جذابة ومخلصة
**
سمعت هذه الأبيات من ثلاث مدارس مختلفة
الأولى من المنشد الراحل النقشبندي من مقام النهاوند

أما الثانية من المطرب العراقي الراحل ناظم الغزالي الذي كان دؤوبا على ترديد أبيات التراث العربي

أما الثالثة من القاريء الكويتي مشاري راشد العفاسي من مقام الكورد، شعرت في وقت من الأوقات أنها من ألحان تامر حسني :)