الأربعاء، 28 أكتوبر، 2009

سمارة اللون .. جماله عسل


على الدرجة الاولى من السلمتين الواصلتين بين المستوى الاول والمستوى الثانى للصالة الواسعة لشقتنا القديمة

واللتان اضطر والدى لتسويتهما لاصرارى على الاصطدام بهما وتهشيم رأسى على احداهما بينما اجرى او اركب دراجتى الصغيرة داخل المنزل

اجلس

وابكى وانا اكرر همسى المسموع

تعالى يا توت

تعالى يا توت

معلنة ضجرى من الجلوس وحدى ورغبتى فى ان يأتى التوت ليأخذنى الى حيث مقر عمل جدى حيث لا القى بالا لانشغال والدتى عنى فى شئون المنزل تاركة اياى لتنتهى من اعداد طعامى او طعامها وابى او غسل ملابسى التى تقول انها كانت لا تتسخ تقريبا ورغم ذلك كانت تغسل اطنان منها يوميا تاركة اياى فريسة للضجرلا فائدة من مناداة التوت فهو لم يأت الى عندما ناديته ربما لانه من الصعب ان يخرج التوت عن شريطه على بعد شارعين من المنزل كى يأتى الى خصيصا ليقلنى الى رمسيس

لا فائدة من مناداة هذا النذل اذن

لارفع صوتى قليلا واكرر المطالبة التالية فى مظاهرتى الفردية
انا انا عايزة عُكَرْ
انا انا عايزة عُكَر


تأتى امى من المطبخ على صوتى العالى لتنبئنى انه من الصعب ان تاتى بعكر او تذهب بى اليه الان فعكر فى المدرسة

ولو تركها واتى ليلعب معى فلسوف تضربه المس ضربا مبرحا

كم كنت اكره تلك المس

ولما كنت طفلة هادئة فى الغالب الا ان الخلاص من زنى مستحيلا

فكان على امى ان تخترع شيئا ما للتخفيف من ضجرى عسى ان تتمكن من اسكاتى

ولما كنت طفلة متعبة كذلك فقد ادركت امى مبكرا اننى لن تنطلى على الخدعة التى تلجأ لها اغلب الامهات بوضع اطفالهن امام الصور المتحركة الملونة على شاشة التلفزيون

فحسب والدتى لم تستطع تلك الصور ان تلفت انتباهى على الاطلاق بعدما تخطيت الشهر السادس من عامى الثانى فى هذه الدنيا

الا ان الاصوات – كما لاحظت امى التى لم ارث لماحيتها للاسف– كانت هى الجديرة بلفت انتباهى

لهذا ولانها لا تضمن ان تجد اصواتا تلفت انتباهى فى التلفزيون على الدوام

جاء الكاسيت اختراعا سحريا

ما ان تبدأ نداءاتى للتوت ومطالباتى بالالتحاق بعكر

حتى تقترب امى من الكاسيت

تنتقى شريطا

وتلقمه للفم المفتوح وتضغط زر التشغيل لتضمن سكوتى وانقطاع بكائى خاصة وانه يبدو ان حملها فى شقيقى الأول " مولودها الثانى" كان يجعلها اقل احتمالا لكل هذا الزن

وعندما تسمع صوتا ما وانت على مشارف الثالثة من العمر

فمن الطبيعى ان يلتصق بذاكرتك ويستدعيه وعيك كلما حانت المناسبة

لهذا فمازال صوتى ميادة الحناوى وحسين بشير يمثلان لى حالة خاصة جدا

دعنا لا نتحدث عن ميادة الحناوى

فانت تعرف عنها اكثر مما اعرف

ولكن لنتكلم قليلا عن حسين بشير

امهلنى ثانيتين اقذف فيهما بحلقة من حلوى النعناع الى فمى

باك

ان كنت تبحث عن السلطنة فلا تستمع الى حسين بشير

ان كنت تبحث عن الشجن والرومانسية التى تعزيك فى حبيب مفقود او تسهل عليك اجترار اساك فلا تستمع الى حسين بشير

ان كنت تبحث عن ايقاع روش وعصرى ذو شعاراتية مرحة تؤهلك لان تكون من مثقفى وسط البلد ومرتادى البورصة فلا تستمع لحسين بشير

اما ان كنت باحثا عن التناقض حيث الصوت محدود القدرات العامر بالحزن المتزاوج مع الموسيقى العامرة بالبهجة فتعال معى اعرفك بحسين بشير

بينا ياللا بينا .. نسبق الدنيا نرفع الزينة

ليس حسين بشير بالمطرب المفضل لدى نوبة مصر فرغم كونه ابن "ابهور" النوبية اختار حسين بشير ان تختلط ايقاعاته النوبية مع اغانى الكف التى يحبها البشارية والعبابدة وابناء اخوالهم من الجعافرة والتى يهيئ لمن يستمع اليها للمرة الاولى انها ايقاعات خليجية ، ورغم خطأ التصور الا ان الاصول البدوية المغربية والنشاة الصحراوية للبشارية وابناء عمومتهم من العبابدة تعزز هذا التصور بشدة.

هذه الميول لموسيقى غير نقية العرق تماما جعلت حسين بشير يتراجع فى قائمة المفضلات لدى البيوت النوبية خاصة وانه من ذلك الجيل من المطربين النوبيين الذين هجروا اللغة "التى يغضب بعض الباحثين ويسموها بالرطانة "النوبية وفضلوا الغناء بالعربية السلسة المفهومة سعيا لكسب جمهور جديد من شباب النوبة والمصاروة الذين لا يفهمون هذه اللغة مما جعله منبوذا ويعد اقتناء شرائطه " البوماته" عارا فى اى بيت نوبى ، اما فى بيت اسوانى عربى كبيتنا كان حسين بشير مرحبا به وبشدة

يا ابو اجمل ابتسامة وكمان عالخد شامة .. بدعيلك يا حبيبى ترجعلى بالسلامة

تضعها ابنة خالتى الكبرى فى جهاز الكاسيت ثم تجلس بجانبى على الارض " جلستى المفضلة " لتتدرب على مهام عملها الجديد كمدرسة .. تفكر فى حبيبها البعيد الذى سافر الى السعودية منذ اشهر وهى تخرج الالوان الخشبية وكتب التلوين وتدفعنى لقراءة المعلومات البسيطة المكتوبة تحت كل رسمة وترفض باصرار رغبتى فى ان الون السمكة المرسومة بالالوان التى اريدها مصرة على ان التزم بالالوان الموجودة فى الستيكر الملصق اعلى الرسمة ليوضح الوانها

لم يعد الحبيب الغائب وتم فسخ الخطبة ليرتبط الغائب بابنة عمه بعدها بايام قليلة وتضرب ابنة خالتى عن الزواج لسنوات حتى وجدت من يستحقها والان لم تعد تستمع لحسين بشير

عابر سبيل مجروح فؤادى .. سهران ياليل ولمين بنادى

عاش حسين بشيرغريبا .. ولد بشير فى النوبة القديمة على حد علمى لكن التهجير طرق الباب، لسنا بصدد الحديث عن قضية النوبة هنا فلسوف لن يتفهم وجهة نظرى احد لا الاخوة النوبة الذين يكنون لنا نحن عرب اسوان عداءا تاريخيا ولا غير النوبة ممن يرون فى مطالباتهم بالعودة الى اراضيهم ترفا .. غربة حسين بشير عن اراضيه القديمة قد يبدو للوهلة الاولى انها غير ذات اثر فى اغانيه العربية البهيجة ذات الايقاع المغترب

الا انى اجد فى هذا الاغتراب الذى يبدو متعمدا من بشير المكروه فى البيوتات النوبية او على احسن تقدير ليس المفضل دليلا حيا على الحنين الذى يتغلب عليه بالانكار واسأل شجر الصفصاف واسأل شجر الحنة

الورد فتح على عوده .. فرحان بيتباهى بوجوده

استمع الى الاغنية وانا اعيد ممارسة هوايتى الاثيرة التى دفعت امى لازاله كافة اشكال الحياة الزجاجية من منزلنا اذ كنت اصر على جذب المفارش ليستقر ما تحمله مناضدها من طفايات ومزهريات زجاجية على الارض.. فى البداية كانت تسقط تلك الطفايات الثقيلة على رأسى الا انى بذكائى الواضح استطعت ان اطور تكنيكا جديدا اقوم من خلاله بجذب المفرش بزاوية جانبية بحيث تسقط الطفايات والمزهريات على الارض دون تلك الالام الموجعة التى كنت اورثها لنفسى فى البداية.

لتأتى أمى مسرعة من المطبخ لتجد الفقيدة مهشمة على بلاط الارضية وانا انظر اليها فى براءة مثيرة للغيظ ، كم كنت طفلة اليفة.

هذه المرة سقطت البطة الخضراء البلاستيكية " هى اوزة فى الواقع اصر انا انها بطة" التى تحوى زهورا بلاستيكية زاهية على الارض ، لتعطينى مفهوما خاطئا عن ذلك الورد الذى فتح على عوده.

وبعد ان عرفت ان هذا الورد ليس بورد كرهت الاوزة الخضراء بشدة ورغم ذلك غضبت واحتديت على امى عندما تخلصت منها فى القمامة وانا فى الصف الثانى الاعدادى "11 سنة".

حرام يا جارنا .. تترك ديارنا

الحنين .. يحمل الحنين مساحة لا حدود لها فى اغانى حسين بشير غالبا ما يتحدث عن حنين لحبيب غائب الا انى المح فيه حنين لاشياء اخر

يسخر منى حسين الحاج دائما قائلا انى اميل لرؤية اشياء عظيمة لا وجود لها فى اتفه الاشياء .. يعجب حسين لهذه القدرة ويضحك منها لهذا ساستمرئ غيظه اكثر واقول انى ارى فى حنين حسين بشير حنينا لاشياء اكبر من مجرد حبيب غائب ربنا كان حنينا لارض مهجورة ، او حنين للغة متروكة وهوية شائهة .. او حنين لاشياء اخرى لا يستطيع هو نفسه الامساك بها.. مجرد عابر سبيل كما يقول لا يجد راحة ولا مرفأ ، لهذا كثيرا ما اجد نفسى فى اغانيه ،ربما لانى انا ايضا احن لشئ ما لا اعرف ما هو بالضبط .. فقط كل ما ادركه ان هناك حالة ما من الاشتياق لشئ ما اقف على المينا انتظره

جايم مروح وين .. لسة الزمان بدرى .. خليك دقيقة معاى .. ياللى اغلى من عمرى

دموع امى تتهيأ للانسيال فيما اقدم شريط الكاسيت لاشغل هذه الاغنية وتنادى

- غيريها يا عزة

- ليه ماما

- بتفكرنى بخالك عبده

- منا بسمعها عشان كان بيحبها

- مش بس كدة .. اطفيها يا عزة اطفيها

- حاضر

خالى عبده .. عبد المجيد احمد عبد المجيد الشقيق الاكبر الذى اصطحبها فى رحلة شراء جهاز عرسها

الذى حملها على كتفه وهو يكبرها فقط باربع سنوات وهرع بها الى المستشفى وتشاجر مع الاطباء عندما لدغها عقرب اثناء لعبهما وهى فى الثامنة من عمرها

والذى اصر على اقامة سبوع اخر مواز لذلك الذى اقامه لى والدى وسافر الى بورسعيد خصيصا ليحضر طفايات الخزف والكريستال المستورد التى سيوضع فيها "سبوع عزة "

يجلسنى على ساقيه وايقونة العذراء التى يحبها واحبها تتدلى من عنقه اجذبها فيخلعها ويضعها حول عنقى تبدى جدتى دهشتها

- دنت مدتهاش لحمادة لما شدها من على صدرك " حمادة هو ابنه الوحيد الذى يكبرنى باربعة اشهر" رد عليها – تخبرنى امى – دى عزة.. الغالية بنت الغالية.

فى خامستى مات خالى فى حادث لم اشهده

لم اعرف بموته سوى بعد وفاته بالفعل بشهرين... اذكر ذلك اليوم وكأنه وقع لتوه ..

عندما تكرر سؤالى لم تحتمل امى .. وجلس ابى مجلسا اياى على ساقيه بذات الكيفية ليعطينى درسى الاول عن الموت.

دونما سبب افهمه لم اعد اقبل ان تفارقنى ايقونة العذراء الذهبية كنت ارفض خلعها الى ان خطفها منى لص اثناء لعبى امام المنزل وانا فى السابعة ......


-------------------------

لتحميل الاغنية التى يحمل البوست عنوانها

وجدى .. كنت انوى ان اكتب لك رسالة علنية خاصة هنا احتفل فيها بعيد ميلادك الاول الذى تقضيه بعيدا لكنى لم اتمكن من ذلك

اعد لك احتفالية خاصة ..حقا انها ستبقى عن بعد الا انها كل ما املك لك الان

ولانى اعرف انك تحب كل ما هو منى فانا اعرف انك ستحب هذه التدوينة ، كل سنة وانت طيب يا احسن صاحب فى الدنيا

هناك تعليقان (2):

مواطن مصري يقول...

تدوينة رائعة و انا من عشاق الفن النوبي لائني اعتبرة جزء من التراث المصري الاصيل و يجب احياء الفن النوبي

تحياتي

sham3on يقول...

حسين بشير قعد فتره كبيره في السويس وكان شاب سمارت شيك بالنسبه لشباب السبعينات النوبي اشتغل فتره مع علي كوبان وكان بيسجل تبع صوت الدلتا موضوع ان النوبيين مش بيحبوه مشكوك فيه شويه ايه اللي يخلي واحد زي حسن الصغير كاحد اعلام المتكويه يغني اغنيه المينا لحسين بشير في كل فرح انا برده بموت في حسين بشير هو لسه عايش وبقي اصلع وبكرش
شكرا علي التذكره